لبنان الكبير: حان وقت تصحيح الخطأ التأسيسي

لبنان الكبير والنقاش حول النظام المركزي والاتحادي ومستقبل الدولة اللبنانية

يصادف اليوم، الأول من أيلول، ذكرى إعلان لبنان الكبير في العام 1920. ولبنان الكبير أصبح، بعد أكثر من قرن، معطى ثابتًا لا نقاش في ثباته، ولا جدوى من العودة إلى سجالات حول مساحته وحدوده أو حول ما إذا كان يجب أن يكون أكبر أو أصغر.

المشكلة ليست في لبنان الكبير، بل في دستور 1926 والنظام المركزي الذي أُقيم عليه في بلد تعددي كان يفترض، منذ تأسيسه، أن يُبنى على نظام اتحادي يراعي تعدد مكوناته ويحفظ شراكتها ضمن دولة واحدة.

هذا الخطأ التكويني لم يبقَ نظريًا، بل أنتج على مدى عقود ما أنتجه من أزمات وانقسامات وحروب ونزاعات، ولا نزال حتى اليوم نعيش تداعياته. فبعد أكثر من مئة عام على إعلان لبنان الكبير، لم ينجح اللبنانيون في الاتفاق على بديهيات يفترض أن تكون من المسلّمات في أي دولة: ما معنى السيادة؟ ما معنى الاستقلال؟ ما معنى نهائية الكيان اللبناني؟ ما معنى أن تكون للبنان دولة واحدة وحدود واحدة وسلطة واحدة تحتكر قرار الحرب والسلم؟ ما معنى تحييد لبنان؟ وما معنى رفض تحويله إلى ساحة للصراعات والمحاور الخارجية؟ وما هي الأولوية: لبنان ومصلحة اللبنانيين أم أولويات الخارج؟

هذه ليست خلافات في وجهات النظر حول سياسات عامة، بل خلافات حول تعريف الدولة نفسها ووظيفتها وحدودها وانتمائها. وهي خلافات ذات طبيعة تأسيسية ووجودية، أثبتت التجربة أنها تحول دون قيام دولة فعلية في لبنان، وتجعل الدولة في كثير من الأحيان دولة شكلية عاجزة عن ممارسة كامل سيادتها على كامل أراضيها.

لذلك، لا يجوز أن تمر ذكرى لبنان الكبير كذكرى تاريخية فقط، بل يجب أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في مستقبل لبنان.

وإذا كان الخطأ التأسيسي هو إقامة نظام مركزي في بلد تعددي، فإن تصحيح هذا الخطأ يقتضي البحث الجدي في نظام اتحادي يحافظ على وحدة لبنان، ويحوّل التعدد من مصدر نزاع دائم إلى مصدر استقرار وشراكة، ويمنح اللبنانيين إطارًا سياسيًا جديدًا يستطيعون من خلاله العيش معًا في دولة واحدة من دون أن يحاول أي مكوّن فرض رؤيته على سائر المكونات.

لبنان لا يحتاج إلى إعادة النظر في وجوده، بل إلى إعادة النظر في طريقة إدارة هذا الوجود. ومن هنا، يجب أن يكون الأول من أيلول، ذكرى إعلان لبنان الكبير، محطة للاتفاق على مشروع جديد: ليس لبنانًا أكبر، ولا لبنانًا أصغر، بل لبنانًا واحدًا ضمن نظام جديد، يصحح الخطأ التأسيسي ويؤسس لدولة فعلية، لا لدولة شكلية تتكرر فيها الأزمات نفسها جيلاً بعد جيل.

أما تحويل ذكرى لبنان الكبير إلى مناسبة لتكريس الأمر الواقع أو الدفاع عن صيغة مركزية أثبتت التجربة عجزها، فليس سوى تأجيل جديد للأزمة.

المطلوب اليوم ليس حماية النظام القديم، بل حماية لبنان عبر تغيير النظام الذي أعاق قيام الدولة فيه.

 

هل يستطيع الحزب الإيراني تعويض خسائره؟