هل يستطيع الحزب الإيراني تعويض خسائره؟

خسائر الحزب الإيراني في القيادات والكوادر بعد الحرب الأخيرة

هل يستطيع الحزب الإيراني في لبنان إعادة تشكيل نخبة قيادته وتعويض الخسائر البشرية الهائلة التي مُني بها في الحرب الأخيرة؟ الجواب، ببساطة ووضوح: لا، هذا الأمر بات شبه مستحيلًا، إن لم يكن مستحيلًا بالكامل.

ما حصل في هذه الحرب لا يمكن اختزاله بخسارة عدد من القادة واستبدالهم بآخرين. فالضربة التي تلقاها الحزب طالت بنية القيادة نفسها: قيادات الصف الأول، ثم الصف الثاني، ثم الصف الثالث، وصولًا إلى طبقة واسعة من الكوادر والخبرات التي راكمت تجربتها على مدى عقود. وهذه الطبقة لم تكن مجرد مجموعة أسماء يمكن تعويضها بالتعيين، بل كانت كتلة قيادية مترابطة تشكلت تاريخيًا واكتسبت خبرتها في ظروف لم تعد موجودة اليوم.

فالحزب الذي نشأ وتطوّر في ظروف إقليمية ودولية وجغرافية وسياسية ومالية وأمنية استثنائية، استفاد من بيئة مكّنته من بناء مؤسساته وتشكيل كوادره وتراكم خبراته. كان هناك ممر إقليمي مفتوح، ودعم إيراني واسع، وبيئة لبنانية معينة، وظروف دولية وإقليمية سمحت له بالنمو والتوسع على مدى سنوات طويلة.

أما اليوم، فهذه الظروف تغيّرت جذريًا. والأهم أن من يدير الحزب في هذه المرحلة هو، إلى حد كبير، منطق الحرس الثوري الإيراني، فيما أن القيادات الشابة التي بقيت داخله لا تستطيع، مهما كانت كفاءتها، أن تحل محل قيادات أمضت عقودًا في بناء التنظيم وخوض المعارك وإدارة شبكاته السياسية والأمنية والعسكرية.

فالخبرة لا تُورث بقرار تنظيمي، ولا يمكن اختصار عقود من التراكم بتعيين بدلاء. أما الخسائر البشرية، فهي أيضًا ليست رقمًا يمكن تعويضه. فالآلاف الذين سقطوا خلال الحرب الأخيرة، من تشرين الأول وحتى اليوم، يمثلون سنوات من التدريب والخبرة والتجربة التنظيمية والعسكرية، ولا يمكن إعادة إنتاجهم في وقت قصير، ولا سيما في ظل الاستنزاف المستمر والظروف الجديدة التي يعمل فيها الحزب.

يضاف إلى ذلك أن الحزب لم يعد يعمل في البيئة التي عرفها سابقًا: هناك استنزاف معنوي وتنظيمي، وانفصال جغرافي عن بيئته الإقليمية، وتبدل في موقع الدولة اللبنانية، وتراجع في هامش الحركة الإيرانية، فضلًا عن التحولات الكبرى التي أصابت البيئة التي سمحت له تاريخيًا بإعادة إنتاج نفسه.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يستطيع الحزب تعيين قيادات جديدة؟ طبعًا يستطيع. بل السؤال هو: هل يستطيع إعادة إنتاج النخبة التي خسرها؟ بالتأكيد لا. فيمكن تعيين بدلاء، ولكن لا يمكن تعويض الفجوة الهائلة في الخبرة والقيادة والتجربة والتراكم. ويمكن ضخ عناصر شابة في المواقع التنظيمية، ولكن لا يمكن خلق نخبة متكاملة في أشهر أو سنوات قليلة، خصوصًا في ظل ظروف سياسية وأمنية وإقليمية مختلفة بالكامل عن تلك التي نشأ فيها الحزب.

ولهذا فإن خسارة الحزب ليست فقط خسارة في الأرواح أو السلاح أو البنية العسكرية، بل هي قبل كل شيء خسارة في الرأسمال البشري الذي صنع قوته على مدى عقود.

ومن هنا يمكن فهم أحد أهم تداعيات الحرب: الحزب الذي عرفه لبنان خلال العقود الماضية لم يعد هو الحزب نفسه، وما خسره على مستوى النخبة والكوادر لا يمكن أن تعوّضه البدائل بسهولة.

الحزب قادر على البقاء لبعض الوقت، لكنه غير قادر على إعادة إنتاج نفسه بالشكل الذي عرفناه. وهذه هي نقطة التحول الأساسية التي تجعل نهايته، بصيغته الحالية، مسألة وقت لا مسألة احتمال.