قاسم يسأل مَن فوّض الدولة… ومَن فوّضه هو؟

نعيم قاسم من فوّض الحزب أن يحدد للدولة سقف التفاوض

قال الأمين العام لـ”حزب الله” نعيم قاسم للسلطة اللبنانية: «من فوضكم أن تتخلوا عن السيادة؟»، قبل أن يعلن رفض “اتفاق الإطار”، ويدعو إلى إسقاطه، ويصفه بأنه «غير شرعي وغير قانوني ومذلّ ويدمّر السيادة اللبنانية».

لكن السؤال نفسه يرتد مباشرة على صاحبه:

من فوّض نعيم قاسم أن يقرر باسم لبنان أي اتفاق تقبله الدولة وأي اتفاق ترفضه؟

ومن فوّض حزبًا أن يقول للدولة اللبنانية: نقبل باتفاق 27 تشرين الثاني تحت سقف القرار 1701 «ولا شيء آخر»؟

المشكلة ليست في أن يعارض قاسم اتفاقًا سياسيًا. من حق أي حزب أن يعترض. المشكلة تبدأ عندما تتحول المعارضة إلى إعلان أن قرار الدولة غير شرعي، وأن الحزب هو من يحدد السقف المقبول للتفاوض، فيما يعلن في الوقت نفسه: «نحن باقون في الميدان» و«لن نقبل بالمشاريع التي يتحدثون عنها».

أي ميدان؟

ومن قرر أن يبقى الحزب فيه؟

ومن أعطاه أصلًا حق الاحتفاظ بقرار الحرب والسلم، ثم محاكمة السلطة على كيفية استخدامها لصلاحياتها؟

قاسم يقول إن المفاوضات «استسلام بمذلّة»، وإن السلطة «تدفّع البلد ثمنًا» للبقاء على عروشها وإرضاء أميركا. لكنه يتجاهل أن لبنان وصل إلى هذه المرحلة بعد سنوات من قرار عسكري لم تتخذه الدولة، وبعد جبهات فُتحت من خارج مؤسساتها، وبعد أن دفع اللبنانيون أثمان خيارات لم يُستشاروا فيها.

ثم يقول إن الحزب «لا يريد الحرب»، ويقدّم موافقته على اتفاق 27 تشرين الثاني دليلًا على ذلك.

لكن من يملك أصلًا أن يريد الحرب أو لا يريدها؟

في الدولة الطبيعية، لا يكون قرار الحرب والسلم بيد حزب حتى يقدّم موافقته على وقف القتال كدليل حسن نية. هذا القرار يجب أن يكون للدولة وحدها، في الحرب كما في التفاوض.

والأكثر دلالة أن قاسم قال إن ما يجري اليوم هو عدوان إسرائيلي يتصاعد وينخفض، مضيفًا: «ولولا إيران ومذكرة التفاهم لما انخفض».

أي أن الرجل الذي يسأل السلطة اللبنانية من فوّضها، يعطي في الوقت نفسه إيران دورًا مباشرًا في تقرير مستوى الحرب على لبنان.

وهنا تكتمل المفارقة.

الدولة اللبنانية، في منطق قاسم، لا تملك أن تفاوض وتقرر وحدها باسم لبنان، فيما تستطيع إيران أن تتدخل، ويستطيع الحزب أن يحدد أي اتفاق يقبل وأي اتفاق يسقط.

هذه ليست سيادة.

هذه محاولة للإبقاء على دولة داخل الدولة، وسلطة فوق السلطة، وقرار موازٍ للقرار اللبناني.

وإذا كان نعيم قاسم يريد أن يسأل السلطة: «من فوضكم؟»، فاللبنانيون يملكون أن يسألوه السؤال نفسه:

من فوّض الحزب أن يحمل السلاح، ويفتح الجبهات، ويقرر الحرب، ثم يوزع شهادات الشرعية على الدولة واتفاقاتها؟