مفاوضات باسم لبنان… والحكومة لا تعرف تفاصيلها؟

أطلق نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، في مقابلة عبر منصة «أساس»، كلامًا لافتًا عن المفاوضات مع إسرائيل، إذ أكد أن مجلس الوزراء «لا علم له بهذه المسائل على الإطلاق».
فحين سئل عن الجولة المقبلة من المفاوضات، أجاب بأنه لا يملك علمًا بموعدها لأنه ليس عضوًا في الوفد. وعندما سئل إن كان مجلس الوزراء مطلعًا على المفاوضات، جاءت إجابته أوضح من أي تفسير.
ثم أوضح أن الحكومة لم تناقش حتى الآن موضوع التفاوض، وأن ما عُرض عليها اقتصر على «كلمات قصيرة مقتضبة» من رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة، لأن المفاوضات لم تصل، بحسب قوله، إلى اتفاق يستوجب قرارًا من مجلس الوزراء.
وهنا تبدأ المشكلة.
صحيح أن المادة 52 من الدستور تعطي رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض في عقد المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح هذه المعاهدات مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. لكن هذا شيء، وأن يبقى مجلس الوزراء نفسه شبه غائب عن مسار تفاوضي بهذا الحجم شيء آخر تمامًا.
فنحن لا نتحدث عن تفاوض تقني محدود.
المسار المطروح يتناول الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، والمناطق التجريبية، وآليات التحقق، ومستقبل الوضع الأمني في الجنوب، وصولًا إلى إطار يعلن هدف إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل.
فكيف يمكن أن يكون هذا كله جاريًا باسم الدولة اللبنانية، فيما نائب رئيس الحكومة يقول إن مجلس الوزراء لا يعلم بتفاصيله «على الإطلاق»؟
والأغرب أن متري نفسه أقر بأن الاتفاق الإطاري يتضمن آليات تنفيذية ينفذها الجيش، ثم عاد ليقول إن الحكومة لم تناقش موضوع المفاوضات فعليًا.
أي أن مؤسسة عسكرية خاضعة لمجلس الوزراء تنفذ أجزاء من مسار تفاوضي، فيما مجلس الوزراء الذي تخضع له هذه المؤسسة لا يناقش تفاصيل المسار نفسه.
هذا ليس خلافًا على صلاحية دستورية لرئيس الجمهورية. ولا المطلوب أن يجلس أربعة وعشرون وزيرًا إلى طاولة المفاوضات.
المطلوب أبسط من ذلك: أن تعرف الحكومة ماذا يجري باسم لبنان، وما الذي التزم به المفاوض، وما الذي يطلب من الجيش تنفيذه، وأين تبدأ التنازلات وأين تنتهي الخطوط الحمراء.
ومتري كشف أيضًا أن المفاوض اللبناني لم يحصل على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، وأن النص الموجود يتحدث عن «إعادة انتشار» ويستخدم، بحسب وصفه، كلمات غامضة بشأن الانسحاب الكامل. وبرر ذلك بالقول: «بظل ميزان القوى الحالي هذا ما استطاع أن يأتي به الوفد اللبناني».
وهذا يجعل إحاطة الحكومة أكثر ضرورة، لا أقل.
فإذا كان لبنان يفاوض من موقع ميزان قوى صعب، وإذا كان النص الذي حصل عليه يتضمن غموضًا في واحدة من أهم القضايا، فمن يراقب المفاوض؟ ومن يناقش الخيارات؟ ومن يتحمل المسؤولية السياسية؟
المفاوضات قد تكون من صلاحية رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، لكن الدولة ليست شخصين.
وعندما تصبح المفاوضات باسم لبنان، ويبدأ الجيش بتنفيذ نتائجها، يصبح من حق اللبنانيين أن يسألوا:
كيف تفاوض الدولة… فيما حكومتها لا تعرف إلا «كلمات قصيرة مقتضبة» عما يجري؟



