لفصل مسار السلام عن مسار الميدان

من الخطأ ربط المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل بالمسار الميداني العسكري، لأن لكلٍّ منهما طبيعة مختلفة، ولكلٍّ منهما أدواته ومفاتيحه. والمطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، العمل على الفصل بين المسارين، بدل إبقاء المسار السياسي أسيرًا للمسار العسكري.
فالدولة اللبنانية لا تملك مفتاح الميدان، لأن الوضعية العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» ليست تحت سيطرتها الكاملة. أمّا هي فتملك مفتاح السياسة، وتملك مفتاح الدبلوماسية، وتملك القدرة على اتخاذ القرار الذي يعبّر عن إرادتها الوطنية في الذهاب نحو السلام. ولذلك، لا يجوز أن تجعل عجزها عن حسم الوضع الميداني ذريعة لعدم القيام بما تستطيع القيام به سياسيًا ودبلوماسيًا.
بمعنى أوضح: على الدولة اللبنانية أن تفصل بين ما تستطيع أن تفعله وما لا تستطيع أن تفعله. تستطيع أن تفاوض، وتستطيع أن تتفق، وتستطيع أن توقّع، وتستطيع أن تصافح، وتستطيع أن تمدّ يدها للسلام. أمّا إنهاء الوضعية العسكرية لـ«حزب الله»، فهو مسار آخر، له حساباته وآلياته، وينبغي أن يأخذ وقته إلى أن تنجح الدولة في استعادة احتكارها الكامل للسلاح والقوة.
ومن هنا، فإن ربط السلام بإنهاء السلاح، أو اشتراط الوصول إلى اتفاق سياسي نهائي بانتهاء المسار العسكري، يعني عمليًا منح «حزب الله» الوقت وترييحه، وإبقاء الوضع اللبناني مجمدًا، وهو هدف من أهداف الحزب في ظل رهانه على تبدُّل الأوضاع، فيما توقيع السلام يُسقط كل رهاناته.
والواقع أن «حزب الله» لم يعد في الموقع الذي كان فيه. فهو يمرّ بأضعف وضعية عسكرية وأمنية وإقليمية وسياسية ووطنية وشعبية منذ سنوات طويلة. وبالتالي، فإن قدرته على تعطيل المسار السلمي ليست بالحجم الذي يُفترض أن يُبنى عليه القرار اللبناني. بل العكس هو الصحيح: كلما تقدمت الدولة اللبنانية في تثبيت خيار السلام، تقلّصت قدرة الحزب على فرض منطقه على لبنان.
وهنا تكمن المسؤولية التاريخية للدولة اللبنانية: أن تفعل ما تستطيع فعله، بدل انتظار ما لا تستطيع فعله.
فهي تستطيع أن تذهب إلى التفاوض، وأن تحسم خياراتها السياسية، وأن تتوصل إلى اتفاق، وأن توقّع، وأن تصافح، وأن تعلن بوضوح أن لبنان اختار السلام. أما المسار الميداني، فيُترك لمساره إلى أن تنتهي، بصورة واقعية وعملية، الوضعية العسكرية غير الشرعية للحزب.
والسلام ليس مجرد ورقة تُوقّع، بل قرار سياسي يعيد تعريف موقع لبنان ودوره. فعندما يذهب لبنان، رسميًا ودستوريًا وحكوميًا، إلى السلام، يصبح من الصعب الاستمرار في التعامل معه كمنصة مفتوحة للحرب أو كأداة في صراع الآخرين. عندها يسقط عمليًا الكثير من الخطاب الذي يحاول إبقاء لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب ولا سلام، لا اتفاق ولا مواجهة، لا دولة كاملة ولا قرار كامل.
بل إن توقيع السلام من شأنه أن يحسم مسألة أساسية: من يواجه من؟ فإذا كانت الدولة اللبنانية قد اختارت السلام، وأبرمت اتفاقًا واضحًا، فإن أي جهة تواصل العمل العسكري من الأراضي اللبنانية لا تعود قادرة على الاحتماء بالقرار اللبناني أو الادعاء بأنها تعبّر عن موقف الدولة. يصبح واضحًا أن هناك طرفًا اختار السلام، وطرفًا آخر يصرّ على الحرب خارج قرار الدولة.
وهذا تحديدًا ما يجعل السلام أداة من أدوات استعادة الدولة لقرارها، وليس نتيجة ينبغي انتظارها إلى ما بعد استعادة هذا القرار بالكامل.
لذلك، لا بد من الخروج من اللغة الرسمية الخشبية التي تختصر الحلول بـ«الانسحاب» و«وقف إطلاق النار» و«التهدئة» وسواها من العبارات التي تبقي الأزمة معلّقة. المطلوب لغة سياسية حاسمة، تضع الأمور في نصابها: لبنان يريد السلام، ولبنان مستعد لتوقيع اتفاق سلام، ولبنان يريد إنهاء حالة الحرب، ثم تُستكمل معالجة الوضع الميداني وصولًا إلى حصر السلاح بيد الدولة.
فالسلام لا ينبغي أن يكون مكافأة تُمنح للبنان بعد انتهاء كل مشكلاته، بل يجب أن يكون إحدى الأدوات التي تساعده على إنهاء هذه المشكلات.
المعادلة الصحيحة هي إذًا: احسموا مسار السلام سياسيًا ودبلوماسيًا، واتركوا مسار الميدان يُحسم أمنيًا وعسكريًا في الوقت الذي يحتاجه. لا تجعلوا المسار الذي تملك الدولة مفاتيحه رهينة مسار لا تملك مفاتيحه بالكامل.
فالذي تستطيع الدولة اللبنانية أن تفعله اليوم هو أن تقول: نحن اخترنا السلام.
وبعدها، يصبح السؤال الوحيد: متى ينتهي الميدان؟ وليس: متى يُسمح للبنان بأن يبدأ مسار السلام؟



