أين تكمن أهمية ترامب وإدارته؟ وهذا ما ننتظره منه

شارل جبّور
تكمن أهمية الإدارة الأميركية الحالية، إدارة الرئيس دونالد ترامب، في أنها لم تكتفِ بالمواقف، بل انتقلت إلى الفعل. فمعظم الإدارات الأميركية المتعاقبة، ولا سيما في مقارباتها لمسألة الشرق الأوسط، تحدثت عن السيادة والاستقلال والحريات، وعن رفض التنظيمات الإرهابية والأنظمة الدكتاتورية، كما تحدثت عن الخطر الإيراني وضرورة مواجهته. لكن الفارق الجوهري أن إدارة ترامب لم تبقَ في مستوى الكلام، بل ذهبت إلى المواجهة المباشرة، ووجّهت ضربات عسكرية موجعة وغير مسبوقة إلى إيران ومشروعها.
قد يكون صحيحًا أن الإدارة الأميركية تتعمّد أحيانًا إطلاق رسائل متناقضة بهدف إرباك الخصم وتضليله، تمهيدًا للانقضاض عليه، من دون أن تغيّر قيد أنملة في خياراتها الاستراتيجية. ولكن، بمعزل عن هذه الفرضية، وبمعزل عن مواقف الرئيس ترامب بحضور الرئيس جوزاف عون وإشارته إلى الحوار مع الحزب عبر رئاسة الجمهورية، وبمعزل عن كلام توم برّاك عن أن التفاوض لن يؤدي إلى نتيجة من دون الحوار مع الحزب وإيران، وبمعزل كذلك عن موقف السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى بأن الحوار لمجرد الحوار لن يكون مطروحًا، وأن الباب مفتوح فقط أمام من لديه استعداد للتخلي عن مشروعه، تبقى هناك حقيقة أساسية لا يجوز إغفالها.
كل هذه المواقف، حتى لو كان هدفها الضغط على الدولة اللبنانية وتحميلها مسؤولية تقاعسها، تبعث بإشارة سلبية إلى لبنان: أن واشنطن ترى أن الدولة لا تقوم بما عليها، وأن استمرارها في التردد والميوعة قد يدفع الأميركيين إلى البحث عن قنوات أخرى للتعامل مع الواقع القائم. لكن لوم السلطة اللبنانية على تقصيرها لا يعني إطلاقًا الحوار مع الأداة التي تعطل الدولة.
ولا يوجد في لبنان شيء اسمه “حزب الله” كحالة منفصلة عن المشروع الإيراني. الحزب جزء لا يتجزأ من منظومة إيرانية إقليمية، وأداة من أدوات “الحرس الثوري” الإيراني، ومهمته في لبنان ليست لبنانية المنشأ ولا لبنانية القرار ولا لبنانية الوظيفة. وبالتالي، فإن الخطأ في توصيف المشكلة يؤدي حتمًا إلى الخطأ في طريقة معالجتها.
إنها فرصة تاريخية، ليس للبنان واللبنانيين فقط، بل للمنطقة بأسرها، للتخلص من المشروع الإيراني وأدواته، والانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها السلام والاستقرار والسيادة. وقد يسجّل التاريخ للرئيس ترامب أنه وضع حدًا لمشروع دولة جعلت من إنشاء الميليشيات والأدوات المسلحة خارج حدودها سياسة ثابتة، وحوّلت دولًا وشعوبًا في المنطقة إلى ساحات لصراعاتها. المطلوب أن تواصل الولايات المتحدة المسار الذي بدأته، وأن تستكمل مواجهة المشروع الإيراني وأدواته، وفي مقدمها أداته في لبنان، وأن تدرك أن معالجة أصل المشكلة تبدأ من إسقاط المشروع الذي أنتج هذه الأدوات، لا من التفاوض معها وكأنها كيانات مستقلة.
والظروف اللبنانية اليوم غير مسبوقة: سقوط نظام بشار الأسد، وانكشاف العمق الإقليمي الذي كان يؤمّن للحزب شبكة إسناد، والتطورات العسكرية الكبرى في المنطقة، والوجود الإسرائيلي جنوب الليطاني، والهزيمة العسكرية التي مُني بها الحزب، ووجود سلطة لبنانية لا تدور في فلكه، فضلًا عن غياب أي إجماع سياسي لبناني على مشروعه المسلح. كل ذلك يجعل اللحظة الراهنة مختلفة جذريًا عن كل ما سبقها. ولذلك، لا يجوز إضاعة هذه اللحظة.
فالهدف يجب أن يكون التخلص من الأداة الإيرانية، وإذا تقاعست الدولة اللبنانية عن تنفيذ دستورها ومسؤولياتها السيادية، فعليها أن تتحمل مسؤولية تقاعسها، وأن تتحمل واشنطن مسؤولية دعم مسار إنهاء هذه الأداة، لا التحاور معها ومنحها مشروعية سياسية جديدة، لأن لا استقرار في لبنان، ولا سلام مستدام في المنطقة، ما دام المشروع الإيراني وأدواته قائمين. والفرصة المتاحة اليوم قد لا تتكرر بعد عقود. لذلك، المطلوب من إدارة ترامب ليس التراجع إلى لغة الإدارات السابقة، بل مواصلة ما ميّزها عنها: الانتقال من الموقف إلى الفعل، ومن تشخيص الخطر إلى إنهائه.
ونريد أن يسجّل التاريخ أن عهد الرئيس ترامب كان العهد الذي سقط فيه نظام الشر الإيراني وأدواته في المنطقة، وفي طليعتها “حزب الله”. وعلى الإدارة الترامبية أن تواصل ما بدأته: إنهاء الأدوات، وإنهاء المركز الذي ينتجها ويتمثل في النظام الإيراني.
إن إسقاط النظام الإيراني وأدواته يعني أن الرئيس ترامب طوى صفحة سوداء من تاريخ الشرق الأوسط، وأن هذا الشرق بدأ حقبة جديدة وعصرًا جديدًا، عنوانه السلام والاستقرار والسيادة، لا الميليشيات والحروب بالوكالة.



