ثلاث حقائق تحكم المرحلة: إيران إلى الحسم، “الحزب” إلى نزع السلاح، والسلطة إلى الانتظار

شارل جبّور
هناك ثلاث حقائق أساسية ينبغي التوقف عندها لفهم الواقع الإقليمي واللبناني، بعيدًا عن التمنيات والرهانات الخاطئة والانتظارات غير الواقعية:
الحقيقة الأولى: الحرب الأميركية ـ الإيرانية، والإسرائيلية على إيران، لا يمكن أن تنتهي قبل أن تصل طهران إلى أحد خيارين: الرضوخ أو السقوط. بالحد الأدنى، المطلوب من إيران هو التسليم بالشروط الدولية والأميركية: التخلي عن مشروعها النووي، وعدم تهديد حرية الملاحة والمضائق، وفي طليعتها مضيق هرمز، والتخلي عن ميليشياتها وأذرعها الإقليمية، والعودة إلى موقع الدولة الطبيعية التي تتعامل مع محيطها والعالم وفق قواعد الدول.
أما إذا رفضت إيران هذا المسار، فإن البديل يصبح تغيير النظام وسقوطه، والعدّ العكسي لهذا الاحتمال قد بدأ. وبالتالي، لا يمكن قراءة ما يجري في المنطقة على أنه مجرد جولة عسكرية تنتهي بتسوية تعيد إيران إلى ما كانت عليه قبل الحرب. فالمنطقة دخلت مسارًا مختلفًا، عنوانه إعادة رسم موازين القوى وإنهاء الدور الإيراني الذي استمر لعقود.
الحقيقة الثانية: إسرائيل لن توقف حربها على “حزب الله”، ولن تنهي وجودها العسكري في لبنان قبل نزع سلاحه في كل لبنان. المسألة لم تعد مرتبطة بجنوب الليطاني وحده، ولا بقواعد اشتباك جديدة، ولا بتسوية موضعية تسمح للحزب بالاحتفاظ بسلاحه في مناطق أخرى. إسرائيل باتت تنظر إلى سلاح الحزب باعتباره مشكلة واحدة لا تتجزأ، من الجنوب إلى البقاع وبيروت والشمال.
والأهم أن إسرائيل تمكنت من خصمها وحققت تفوقًا عسكريًا وسياسيًا واضحًا، وليس منطقيًا أن تعود إلى الوراء وتمنحه فرصة استعادة قدرته وقوته. فالحزب اليوم ليس في الوضع الذي كان عليه سابقًا: إيران مأزومة، والبيئة الإقليمية التي احتضنت مشروعه تغيّرت، وسوريا لم تعد الممر الذي كان عليه، فيما إسرائيل موجودة في جنوب لبنان وتمتلك هامشًا واسعًا من القدرة العسكرية.
وهذا يعني أن الظروف التي سمحت في السابق بإضاعة الفرص لم تعد هي نفسها. فلا الولايات المتحدة تبدو مستعدة للسماح لإيران بإعادة إنتاج نفوذها، ولا إسرائيل مستعدة للسماح لـ”حزب الله” بإعادة بناء قوته.
الحقيقة الثالثة: السلطة اللبنانية الحالية هي نتاج ميزان قوى جديد، لكنها ليست رأس حربة في فرض هذا الميزان حتى نهايته. هذه السلطة جاءت نتيجة ميزان قوى تغيّر بعد إضعاف “الحزب الإيراني” وهزيمته عسكريًا وسياسيًا، لكن هذا الميزان لم يُحسم بصورة نهائية. ولو كان الحسم كاملًا ونهائيًا، لكان مسار الاستحقاق الرئاسي ذهب إلى مكان آخر، كما حصل في سوريا مع وصول أحمد الشرع إلى الرئاسة نتيجة تبدّل جذري في ميزان القوى.
وهذا ما يفسِّر أن السلطة اللبنانية تجد نفسها اليوم تحت نيران مزدوجة: من جهة، نيران “الحزب الإيراني” لأنه يرفض القرارات التي تستهدف سلاحه وتنظيمه العسكري، ومن جهة ثانية، نيران الرأي العام والقوى السيادية لأنها لا تنفّذ بالسرعة المطلوبة قراراتها المتعلقة بحصرية السلاح بيد الدولة، وإنهاء التنظيم العسكري للحزب، والانتقال إلى مرحلة جديدة في علاقة لبنان بإسرائيل.
وأصبح من الثابت أن هذه السلطة لن تعود إلى الوراء، لكنها أيضًا لن تكون رأس الحربة في الذهاب إلى الأمام. هي اتخذت قراراتها، وهي مقتنعة بضرورة إنهاء الحالة الميليشياوية الإيرانية في لبنان، لكنها لا تريد أن تحسم الأوضاع بالقوة. ولذلك، فهي تشتري الوقت، ولديها قناعة بأن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وأن ميزان القوى الذي أنتج المرحلة الحالية سيواصل التغيّر بما يسمح لها، في الوقت المناسب، باستكمال ما بدأته.
وعليه، لا يجوز بناء الرهانات السياسية على انتظار أن تتحول السلطة فجأة إلى رأس حربة في مواجهة الأداة الإيرانية في لبنان. هذا الانتظار في غير محله. المطلوب هو ممارسة الضغط السياسي والشعبي عليها كي تتحمل مسؤولياتها وتنفذ قراراتها بأسرع وقت ممكن، لكن مع إدراك طبيعة موقعها وحدوده.
فالسلطة ليست في موقع المبادرة الكاملة، وإنما في موقع الاستفادة من التحول الكبير في ميزان القوى. وهذا يعني أن المشهد اللبناني لن يُحسم بقرار لبناني منفرد، بل بنتيجة مسار إقليمي أكبر من لبنان: إما أن تحسم الولايات المتحدة وإيران مواجهتهما، فتسقط المنظومة الإيرانية أو ترضخ لشروط جديدة، وإما أن تحسم إسرائيل معركة “الحزب الإيراني” بما ينهي قدرته العسكرية. وفي الحالتين، ستجد السلطة اللبنانية نفسها أمام ميزان قوى أكثر وضوحًا يتيح لها تنفيذ ما اتخذته من قرارات.
هذه هي الحقيقة التي ينبغي إدراكها اليوم: لا عودة إلى الوراء، لكن لا حسم فوريًا أيضًا. المرحلة هي مرحلة انتقالية، والسلطة ستبقى في هذه المنطقة الوسطى: لن تتراجع عن قراراتها، لكنها لن تذهب إلى أقصى حدودها بالقوة. وستنتظر أن يحسم الخارج ميزان القوى، لتصبح عملية الحسم في الداخل ممكنة.
ولا يفترض أن يكون هناك مكان للإحباط أو لليأس، كما لا مكان للانتظارات غير الواقعية. الاتجاه العام واضح، وعقارب الساعة لن تعود إلى الوراء. والسؤال لم يعد ما إذا كان سيتغير الواقع، بل متى يكتمل ميزان القوى الذي يجعل هذا التغيير نهائيًا.



