الأسمر كشف المستور… لماذا لم يوقّع التيار منشوراته؟

بدأ المشهد فجر الأحد على شكل مناشير مجهولة المصدر، تُرمى في شوارع جزين وتظهر في مناطق أخرى، وتحمل هجومًا قاسيًا على نواب أيدوا قانون العفو العام.
لا اسم حزب. لا جهة تتبنّى. لا توقيع سياسي واضح.
بل أوراق صُممت على هيئة “بيان سجل عدلي”، وعبارات تستحضر شهداء الجيش والقوى الأمنية وجرائم القتل والإرهاب، وتنتهي بختم يحمل كلمة واحدة ثقيلة الدلالة: “بالدم”.
في الساعات الأولى، كان يمكن لهذا المشهد أن يبدو كأنه موجة غضب شعبية مجهولة الهوية تتسع من منطقة إلى أخرى.
لكن في جزين، دخلت كاميرات المراقبة على الخط.
فقد وثّقت السيارة والأشخاص أثناء تنفيذ عملية توزيع المنشورات، ونشر عضو تكتل “الجمهورية القوية” النائب سعيد الأسمر صورًا من التسجيلات، واضعًا المعطيات في تصرف الأجهزة الأمنية وطالبًا بكشف هوية من يقف خلف العملية.
وهنا انكشف المستور.
بعد ظهور الصور والتحرك الأمني، أعلن “التيار الوطني الحر” أن قطاع الشباب فيه هو من نفّذ حملة توزيع المنشورات اعتراضًا على قانون العفو العام.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: من وزّع المناشير؟
التيار أجاب بنفسه.
لكن إجابته فتحت سؤالًا أهم:
إذا كانت الحملة للتيار، فلماذا لم تحمل منشوراته اسم التيار؟
موقف “التيار الوطني الحر” من قانون العفو لم يكن سرًا أصلًا. قيادته أعلنت اعتراضها، ونوابه اتخذوا موقفهم السياسي، وقطاع شبابه سبق أن خاض حملات علنية تحت عنوان الدفاع عن شهداء الجيش.
فلماذا، هذه المرة، الحاجة إلى منشورات مجهولة تُرمى فجرًا؟
ولماذا لا تحمل اسم الجهة التي أعدّتها وطبعتها ووزّعتها؟
والأهم: لماذا اختير “بالدم” توقيعًا لها؟
التيار أوضح لاحقًا أن المقصود هو دم شهداء الجيش والقوى الأمنية.
لكن عندما توضع كلمة “بالدم” على منشور مجهول موجّه إلى نائب، فإن السؤال عن معناها ليس اعتداءً على حرية التعبير، بل سؤال بديهي تفرضه لغة المنشور نفسها.
ومن يريد استحضار دم الجيش في معركة سياسية، عليه أيضًا أن يقبل بالنقاش السياسي حول سجلّه ومواقفه.
فالجيش ليس مادة للمزايدة بين الأحزاب، وشهداؤه ليسوا ملكًا سياسيًا لأحد.
ولا يمكن اختصار قضية السيادة والجيش بمن صوّت على قانون ومن عارضه، فيما عرف لبنان على مدى سنوات سجالًا أكبر بكثير حول حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم ودور الدولة، وحول التحالفات السياسية التي غطّت واقعًا بقي فيه القرار العسكري والأمني الاستراتيجي موضع نزاع وطني.
لذلك، قبل توزيع شهادات الحرص على الجيش، من الأفضل أن يُفتح النقاش كاملًا، لا أن يُختصر بمنشور.
أما النائب السابق أمل أبو زيد وهيئة جزين في التيار، فاختارا بعد انكشاف هوية الجهة المنفذة مهاجمة الأسمر تحت عنوان الدفاع عن الحريات ورفض “استدعاء الأمن”.
لكن الوقائع أبسط من هذا السجال.
عندما تحرك الأسمر، كان يتعامل مع مناشير مجهولة ومع أشخاص لم يعلنوا هويتهم.
وعندما ظهرت الصور، جاء التبنّي.
ولو كانت المناشير تحمل منذ البداية عبارة واضحة: “قطاع الشباب في التيار الوطني الحر”، لما احتاج أحد إلى البحث عن أصحابها.
المشكلة إذًا ليست في الاعتراض على قانون العفو.
ولا في حق التيار في أن يهاجم القانون والنواب الذين أيدوه.
المشكلة في محاولة تحويل موقف سياسي معلن أصلًا إلى حملة مجهولة المصدر، ثم الاعتراض على السؤال عن هوية أصحابها بعد أن كشفتهم الكاميرات.
الأسمر كشف ما كان يجري في الشارع، والتيار أعلن لاحقًا مسؤوليته عن الحملة.
وبقي أمامه سؤالان لا يحتاجان إلى خطابات طويلة:
إذا كانت هذه منشوراتكم، لماذا لم توقّعوها باسمكم؟
وإذا كانت رسالتكم سياسية… لماذا اخترتم أن يكون التوقيع “بالدم”؟



