توم برّاك ولبنان: المعتدي لا يُفاوض قبل أن يوقف اعتداءه ويسلّم سلاحه

يدرك القاصي والداني أن المبعوث الأميركي توم برّاك لا علاقة له بالمسار اللبناني، لا من قريب ولا من بعيد، وأن دخوله على هذا الملف سبق تعيين السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى. ومنذ تعيين عيسى، بات واضحًا أن المسار الأميركي الرسمي تجاه لبنان له مرجعيته الدبلوماسية والسياسية، وليس توم برّاك هو صاحب القرار أو الاختصاص في الشأن اللبناني.
والأهم من ذلك أن المواقف التي أطلقها برّاك منذ دخوله على خط المنطقة لا تشبه، في كثير من الأحيان، الموقف الأميركي الرسمي، ولا تنسجم مع التوجهات التي يفترض أن تدافع عنها الولايات المتحدة، وفي مقدمها سيادة الدول، واستقلالها، وحق شعوبها في الحرية والأمان وبناء دولها بعيدًا من هيمنة السلاح الخارج عن الشرعية.
ولعل موقفه الأخير، الداعي إلى إشراك إيران وحزب الله في أي مفاوضات، يشكّل نموذجًا صارخًا لهذا التناقض. فكيف يمكن إشراك المعتدي في مفاوضة مع المعتدى عليه قبل أن يوقف اعتداءه؟
إيران دولة تمارس الاعتداء والتدخل في شؤون الدول العربية، وحزب الله، منذ ستة وثلاثين عامًا، يمارس اعتداءً مستمرًا على الدستور اللبناني وعلى فكرة الدولة وعلى حق اللبنانيين في أن تكون لهم دولة واحدة وسلطة واحدة وقرار سيادي واحد. وبالتالي، فإن وضع المعتدي والمعتدى عليه على طاولة واحدة، قبل معالجة أصل المشكلة، لا يؤدي إلى حل، بل إلى مكافأة المعتدي وإضفاء شرعية سياسية على سلاحه.
القاعدة واضحة: المعتدي لا يُكافأ بإشراكه في المفاوضات، بل يُطلب منه أولًا أن يوقف اعتداءه. وعلى حزب الله، تحديدًا، أن يوقف اعتداءه على الدولة واللبنانيين، وأن يسلّم سلاحه للدولة، وأن يحلّ تنظيمه العسكري والأمني، وأن ينضوي بالكامل تحت سقف المؤسسات الشرعية، وأن يتحمل مسؤولية ما ارتكبه بحق لبنان واللبنانيين. وعندها، لكل حادث حديث.
أما أن يبقى السلاح خارج الدولة، ويبقى القرار الأمني والعسكري والسياسي موزعًا بين الدولة وحزب مسلح، ثم يُطلب إشراك هذا الحزب في مفاوضات بوصفه طرفًا طبيعيًا ومتساويًا مع الدولة، فهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلًا.
المطلوب ليس إشراك المعتدي قبل أن يتوقف عن اعتدائه، بل محاسبته ومساءلته وإلزامه باحترام الدستور وسيادة الدولة.
ومن هنا، فإن ما صدر عن توم برّاك يجب أن يُفهم في إطاره الصحيح: إنه موقف شخصي لا يمكن تحميل الإدارة الأميركية مسؤوليته، ولا يجوز أن يتحول إلى سياسة أميركية تجاه لبنان.
لبنان ليس ساحة مفتوحة لكل من يريد أن يتحدث باسمه أو يقرر عنه. ولبنان، في نهاية المطاف، شأن لبناني سيادي، ولا يحق لأي مبعوث، مهما كان موقعه أو صفته، أن يفرض على اللبنانيين صيغة تعيد إنتاج المشكلة بدل حلّها.
إذا كان توم برّاك لا يملك تفويضًا أميركيًا رسميًا للتحدث في الشأن اللبناني، فالأجدى به أن يصمت عندما يتعلق الأمر بلبنان، وأن يترك هذا الملف لأصحاب الاختصاص.
فلبنان لا يحتاج إلى من يعيد إدخال إيران وحزبها إلى طاولة التفاوض، بل يحتاج إلى من يساعده على إخراج السلاح غير الشرعي من الدولة، واستعادة القرار السيادي، وترسيخ دولة واحدة بجيش واحد وسلطة واحدة.
المعتدي يوقف اعتداءه أولًا، ويسلّم سلاحه ثانيًا، وينضوي تحت سقف الدولة ثالثًا، وعندها فقط يبدأ الحديث عن التفاوض. أما قبل ذلك، فالمطلوب محاسبته لا إشراكه.



