السلاح الإيراني إلى النهاية… فماذا عن لبنان في اليوم التالي؟

شارل جبّور
كثُر في الأشهر الماضية الحديث عن “اليوم التالي” لحرب السابع من أكتوبر والثامن من أكتوبر، وعن شكل المنطقة ولبنان تحديدًا بعد انتهاء الحرب. وكان السؤال الدائم:
ماذا سيحدث في اليوم التالي؟
ومن سيملأ الفراغ؟
وكيف سيكون المشهد اللبناني بعد أن تضع الحرب أوزارها؟
لكن السؤال يجب أن يُطرح اليوم بطريقة مختلفة، لأن “اليوم التالي” عسكريًا أصبح محسومًا، وهذه الحرب تختلف عن كل الحروب السابقة. مهما طال الزمن، ومهما امتدت الحرب، ومهما تأخر التنفيذ، فإن اليوم التالي لن يكون فيه سلاح إيراني في لبنان، ولن تكون هناك أدوات عسكرية لإيران في المنطقة بالشكل الذي كان قائمًا قبل هذه الحرب. القرار اتُّخذ، والتنفيذ بدأ تدريجيًا، والمسألة ليست مرتبطة بقرار لبناني منفرد، ولا برغبة لبنانية، ولا بإرادة الحكومة اللبنانية. إنها معادلة أمريكية ـ إسرائيلية جديدة جرى اعتمادها، وبدأت ترجمتها على الأرض، ولن تتوقف الحرب قبل الوصول إلى نتيجتها.
وبقدر ما يتمسك الفريق الإيراني في لبنان بسلاحه، بقدر ما يدفع الثمن من لحمه ودمه وبيئته وقراه ومناطقه. وبقدر ما يصرّ على إطالة عمر مشروعه العسكري، بقدر ما تتسع الخسائر، ويتعمق الدمار، ويزداد التهجير. أما بقدر ما يسارع إلى إنهاء هذا المشروع، فيحفظ ما تبقى من قراه وبيئته ومجتمعه، ويوقف استخدام الجغرافيا اللبنانية ميدانًا لحرب إقليمية لا مصلحة للبنان فيها.
لقد تغيّرت المعادلة جذريًا. ولم يعد السؤال:
هل سينتهي السلاح الإيراني في لبنان؟
بل: متى وكيف سينتهي؟
ولو كانت المسألة متروكة، كما حصل بعد حرب 2006، للهمّة اللبنانية وحدها، أو لقرارات دولية لا تملك أدوات التنفيذ، لكان هذا السلاح بقي. لكن ما جرى منذ ذلك الحين، وما كشفته الحرب الأخيرة، وما تكرّس بعدها، وضع لبنان أمام معادلة مختلفة: لن يكون هناك من سلاح إيراني خارج الدولة اللبنانية.
وهذا الأمر، في ميزان التطورات العسكرية والاستراتيجية، بات بحكم المنتهي وغير القابل للنقاش. وبالتالي، لم يعد السؤال المطروح:
كيف نحسم السلاح؟
بل: ماذا سنفعل بلبنان بعد حسم السلاح؟
لأن الجريمة والخطيئة الوطنية أن يكون “اليوم التالي” نسخة عن اليوم الذي سبقه، وأن نعود إلى الشعارات نفسها عن الوحدة الوطنية، والعيش المشترك، وشعب واحد في دولة واحدة، والالتفاف حول الدولة، وكأن شيئًا لم يحدث.
وليس المطلوب أن ننتظر انتهاء الحرب كي نبدأ التفكير في اليوم التالي. المطلوب أن يبدأ التفكير من الآن، لأن انتهاء السلاح العسكري لا يعني انتهاء المشكلة اللبنانية، بل يعني بداية النقاش الحقيقي. فالفريق الإيراني في لبنان، حتى لو انتهى سلاحه، وسينتهي، وحتى لو هُزم عسكريًا، وقد هُزم، لن تنتهي أفكاره تلقائيًا. والهزيمة العسكرية لا تعني بالضرورة نهاية المشروع السياسي الذي أنتج السلاح. ومن الخطأ الاعتقاد أن هذا الفريق يمكن ببساطة دمجه في التركيبة اللبنانية، كما لو أن المشكلة كانت في بندقيته وصواريخه فقط. هناك في لبنان من يرفض السلام، ومن يريد استمرار الحرب، ومن يرى نفسه جزءًا من مشروع إقليمي يتجاوز الحدود اللبنانية، ومن يملك تصورًا مختلفًا جذريًا للدولة والوطن والسيادة والحياد والعلاقات الخارجية. وهناك اختلافات بنيوية في النظرة إلى لبنان نفسه، وإلى مفهوم الجماعة، وإلى التعددية، وإلى معنى الدولة.
لذلك فإن النقاش الحقيقي في “اليوم التالي” لا يجب أن يكون عسكريًا، لأن هذا المسار حُسم، بل سياسيًا ووطنيًا، من خلال تركيز النقاش حول السؤال الآتي: هل النظام السياسي القائم لا يزال صالحًا لإدارة لبنان بكل تعدديته وتعقيداته؟ لقد أثبتت التجربة أن المشكلة ليست في التعددية اللبنانية، بل في محاولة صهر هذه التعددية ضمن صيغة واحدة لا تعكس حقيقة المجتمع اللبناني، وفي محاولة التعامل مع اللبنانيين وكأنهم جماعة سياسية متجانسة، بينما هم في الواقع جماعات وتيارات وبيئات تحمل رؤى مختلفة للبنان ولدوره وعلاقاته ومستقبله.
لقد حان الوقت، للمرة الأولى منذ تأسيس لبنان الكبير، لفتح نقاش عميق وجدي حول النظام الذي يستطيع حماية لبنان من تكرار الكوارث. ويجب الإقلاع عن سياسة الترقيع التي تُبقي لبنان في دوامة الأزمات، وإعادة التفكير في الصيغة التي تجعل الدولة قابلة للحياة والاستمرار: نظام يعترف بالتعددية بدل إنكارها، ويحمي خصوصيات الجماعات بدل تحويلها إلى أدوات صراع، ويضع قواعد واضحة للسيادة والحياد والعلاقات الخارجية، ويمنع أي مكوّن لبناني من تحويل لبنان إلى منصة لمشروع إقليمي.
وهذا يتطلب أيضًا، في المرحلة المقبلة، مظلة دولية حازمة لحماية الاستقرار اللبناني. فلبنان، بحكم موقعه وتركيبته وتاريخ استخدامه في الصراعات الإقليمية، يحتاج إلى عين دولية ساهرة، وفي مقدمها العين الأمريكية، لا لإدارة لبنان أو مصادرة قراره، بل لمنع استخدامه مجددًا كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. لأن المشكلة ليست فقط في السلاح، بل في قابلية لبنان لأن يُستخدم. وما لم تُعالج هذه القابلية، سيأتي سلاح آخر بعد سلاح، ومشروع بعد مشروع، ووصاية بعد وصاية.
ومن هنا، فإن “اليوم التالي” الذي يجب أن يشغل اللبنانيين ليس اليوم التالي عسكريًا، لأن هذا المسار بدأ وانطلق، وإنما اليوم التالي سياسيًا ووطنيًا. ماذا نريد من لبنان بعد انتهاء الحرب؟ هل نريد العودة إلى الصيغة نفسها التي أنتجت الانهيار والحروب والوصايات؟
هل نريد إعادة إنتاج النظام نفسه، بالقواعد نفسها، وبالشعارات نفسها، وانتظار الأزمة المقبلة؟
أم نريد أن نستفيد من هذه اللحظة التاريخية لإرساء لبنان مختلف: دولة مستقرة، سيدة، محايدة، قادرة على حماية نفسها، وتمنع أي جماعة من اختطاف قرارها؟
هذا هو النقاش الذي يجب أن يبدأ الآن. السلاح الإيراني انتهى، أو هو في طريقه إلى النهاية مهما طال الوقت. لكن انتهاء السلاح لا يعني انتهاء المشكلة، بل يفتح الباب أمام السؤال الأكبر: أي لبنان نريد أن نبني في اليوم التالي؟ لأن إبقاء لبنان بالنظام نفسه يعني، ببساطة، إبقاء أسباب الانفجار قائمة. والفرصة اليوم ليست في إدارة “اليوم التالي”، بل في بناء لبنان الذي لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يبدأ يومًا جديدًا.



