منذ سنوات، يرفع التيار الوطني الحر شعار «التدقيق الجنائي» كلما فُتح ملف الكهرباء. جبران باسيل طالب به مرارًا في وزارة الطاقة وكهرباء لبنان، وعاد التيار أخيرًا إلى دعوة الوزير الحالي جو صدّي لبدء التدقيق وكأن الملف ينتظر من يجرؤ على فتحه.
لكن الفارق هذه المرة أن التدقيق لم يبقَ شعارًا.
في 23 نيسان 2026، أعلن جو صدّي أنه وضع أمام مجلس الوزراء دفتر الشروط الخاص بالتدقيق الجنائي في ملف بواخر إنتاج الكهرباء، بعدما أُعدّ بالتعاون مع هيئة الشراء العام. أي أن الملف انتقل من المطالبة السياسية إلى مسار مؤسساتي له دفتر شروط وآلية قانونية واضحة.
ثم جاءت الخطوة الأوضح في 25 حزيران. رئيس الحكومة نواف سلام أعلن رسميًا أن مجلس الوزراء كان قد أقر قبل نحو شهر الاعتماد الذي طلبته وزارة الطاقة لإعداد دفتر الشروط من أجل تكليف جهة متخصصة بإجراء التحقيق الجنائي في ملف البواخر، وأن إعداد الدفتر «تم إنجازه وبلغ خواتيمه». كما أوضح أن الدفتر يتضمن جزءًا عامًا للتدقيق الجنائي وجزءًا خاصًا بملف البواخر.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا.
الفريق الذي أمسك بوزارة الطاقة سنوات طويلة، وملأ الحياة السياسية بالكلام عن التدقيق والمحاسبة، لماذا لم يصل في ملف البواخر إلى هذه المرحلة المؤسسية الواضحة؟
لا أحد يقول إن صدّي أصدر حكمًا على أحد، ولا أن نتائج التحقيق أصبحت جاهزة. فالمحاسبة الحقيقية تبدأ عندما تتولّى جهة متخصصة فحص العقود والقرارات والأموال والمستندات، وتنتهي عندما تظهر النتائج وتُحدَّد المسؤوليات.
لكن هناك فرقًا بين أن تقول «نريد تدقيقًا جنائيًا»، وبين أن تطلب الاعتماد، وتُعدّ دفتر الشروط مع هيئة الشراء العام، وتضع الملف أمام مجلس الوزراء تمهيدًا لتكليف جهة متخصصة.
لسنوات، كان اللبناني يسمع عبارة «التدقيق الجنائي».
مع جو صدّي، بدأت العبارة تتحوّل إلى ملف وإجراءات.
ومن طالب بالتدقيق طويلًا، يفترض أن يكون أول المرحّبين به اليوم، لا أول المنزعجين عندما يصبح التدقيق قريبًا من الملفات التي أدارها.




