
بري أسقط النصاب اليوم… فهل يُسقط غدًا وعده للنواب السنّة؟
آب 12, 2026
قرف اللبنانيين سببه أمران: العجز عن إرساء دولة والعجز عن الانفصال
آب 12, 2026الموجز الإعلامي اليومي | 12 آب 2026
دخلت الجلسة التشريعية في ساحة النجمة على خط المنافسة مع الجنوب على صدارة المشهد اللبناني. ففيما بقيت الجولة الثامنة من المفاوضات موضع شدّ بين تأكيد أميركي لانعقادها مطلع أيلول وتريث لبناني بانتظار تنفيذ ثلاثة مطالب ميدانية، تحولت ساحة النجمة إلى مواجهة سياسية ودستورية حول العفو العام وموقف الجيش، بالتزامن مع إقرار إلغاء عقوبة الإعدام وقانون إعلام أثار اعتراضاً واسعاً بسبب إبقاء مواد تسمح بالملاحقة الجزائية للصحافيين.
الجولة الثامنة بين التأكيد الأميركي والتريث اللبناني
برز تناقض واضح حول مصير الجولة الثامنة. مسؤول أميركي أكد، وفق التقرير، أن المسار سيُستأنف في روما مطلع أيلول، في حين أعلن مصدر رسمي لبناني أن بيروت لم تحسم موقفها بعد، وتنتظر معرفة ما إذا كانت مطالبها الثلاثة ستُلبّى: وقف إطلاق النار فعلياً، اعتماد مناطق نموذجية جديدة وكبيرة، ووقف استهداف البنى المدنية.
ويعني ذلك أن التفاوض لم يُلغَ، لكنه لم يعد تلقائياً من الجانب اللبناني. فالمشكلة لم تعد في تحديد موعد جديد بقدر ما أصبحت في إثبات أن الجولة المقبلة ستنتج تغييراً ميدانياً، لا مجرد استمرار للمحادثات.
وفي المقابل، برز موقف للرئيس جوزاف عون يتمسك بخيار التفاوض ويرى أن نتائجه، رغم بطئها، تبقى أفضل من العودة إلى حرب مدمرة. كما نقلت «الجمهورية» عن مسؤول في الخارجية الأميركية تأكيده استئناف المفاوضات في روما، مع اتهامه الجهة المسلحة الموازية بمحاولة عرقلة المسار.
علي الطاهر تتحول إلى عقدة ما قبل روما
تزامن الترقب الدبلوماسي مع استمرار التصعيد في الجنوب وتشديد الضغط حول تلة علي الطاهر، التي باتت من أكثر النقاط حساسية في الملف.
وتتناول بعض الصحف روايات عن عمليات إسرائيلية ومنشآت وأنفاق واحتمال توسيع السيطرة على المنطقة، لكن جانباً كبيراً من هذه التفاصيل مصدره تقديرات أمنية أو إعلام إسرائيلي، ولا يتضمن التقرير تأكيداً رسمياً لبنانياً مستقلاً لها.
لذلك، الثابت هو أن علي الطاهر أصبحت عقدة سياسية وعسكرية في التفاوض، أما حجم ما يوجد تحت الأرض وطبيعته ومسار العمليات الجارية فيحتاج إلى معلومات رسمية موثقة قبل تقديمه كحقيقة.
وفي الوقت نفسه، يستمر لبنان في رفض معادلة تجعل انسحاب إسرائيل مؤجلاً إلى حين تنفيذ كل المطالب الأمنية التي تضعها، كما لا يستطيع المطالبة بسيادته الكاملة من دون معالجة ملف السلاح خارج المؤسسات الشرعية.
المعادلة القابلة للحياة تبقى متزامنة: انسحاب، انتشار للجيش، وقف للاعتداءات، وحصرية للسلاح تحت سلطة الدولة.
الجلسة التشريعية تفتح أزمة داخل الحكومة
أما داخلياً، فتحولت الجلسة التشريعية إلى اختبار للعلاقة بين رئيس الحكومة نواف سلام ووزير الدفاع ميشال منسى.
بدأ الخلاف عندما أراد منسى عرض ملاحظات الجيش على قانون العفو العام، فيما تمسك سلام بأن رئيس الحكومة هو من يتحدث باسم الحكومة وبأن موقفها يجب أن يبقى موحداً. وتطور الخلاف إلى سجال، ثم غادر وزير الدفاع الجلسة ولم يحضر الجزء المسائي.
وفي روايته أمام النواب، نفى سلام أنه منع منسى من حضور الجلسة، وقال إنه أبلغه فقط بأنه سيتحدث باسم الحكومة استناداً إلى المادة 64 من الدستور، مؤكداً أن رأي قيادة الجيش كان قد نُقل سابقاً إلى اللجان ومُثّل بمذكرة خطية.
وفي المقابل، تمسك عدد من النواب بحق وزير الدفاع في نقل موقف المؤسسة العسكرية، خصوصاً أن قانون العفو يمس قضايا قتل عسكريين وأمن المؤسسة وحقوق الضحايا.
وبالتالي، لا ينبغي اختصار الخلاف بسجال شخصي. القضية الفعلية أصبحت: كيف يُعبَّر عن موقف المؤسسة العسكرية في ملف حساس، ومن يملك دستورياً تمثيل موقف الحكومة أمام مجلس النواب؟
إلغاء عقوبة الإعدام… تحول تشريعي كبير
حققت الجلسة التشريعية أبرز نتائجها بإقرار إلغاء عقوبة الإعدام بعد إدخال تعديلات، في خطوة وصفها وزير العدل عادل نصار بالتاريخية، مؤكداً أنها لا تعني التساهل مع الجرائم الخطيرة ولا الانتقاص من حقوق الضحايا.
وسجلت كتلة «الوفاء للمقاومة» اعتراضها وانسحبت على خلفية طريقة استبدال عقوبة الإعدام والعلاقة بين القانون الجديد والتخفيضات التي قد تنتج عن العفو العام.
وتكمن حساسية الموضوع في أن إلغاء العقوبة القصوى يتقاطع مع قانون العفو وتخفيض العقوبات، ما يفرض صياغة دقيقة تمنع أن يؤدي تداخل القانونين إلى نتائج لم يقصدها المشرّع.
قانون الإعلام يمر… والمادة 104 تبقى
أما أكثر نتائج الجلسة التشريعية إثارة للجدل، فكان إقرار قانون الإعلام وفق الصيغة الواردة من اللجان ومن دون اعتماد التعديلات التي كان يجري التداول بها.
وبذلك بقيت المادة 104 التي تسمح بالملاحقة الجزائية في حالات مرتبطة بما يوصف باختلاق الأخبار الكاذبة والمؤذية، وهي صياغة أثارت اعتراضات بسبب اتساع نطاق تفسيرها وإمكان استخدامها ضد الصحافيين.
وكانت نقاشات الساعات السابقة قد تناولت تعديلات عديدة، بينها حذف المادة نفسها وتعديل طريقة تشكيل الهيئة الوطنية للإعلام، إلا أن الخلاف على أكثر من عشرين تعديلاً أدى في النهاية إلى العودة إلى النص الأصلي وإقراره دفعة واحدة.
وأعلن وزير الإعلام بول مرقص بعد الإقرار أن العمل سيستمر لتعديل الفقرتين الإشكاليتين، فيما دعت نقابتا الصحافة والمحررين إلى تحرك رفضاً للقانون ودفاعاً عن حرية الإعلام.
المشكلة هنا ليست في مبدأ تنظيم الإعلام، بل في ضرورة وجود معيار واضح يفصل بين الخبر الكاذب المتعمد، والخطأ الصحافي، والاجتهاد المهني، حتى لا تتحول النصوص الفضفاضة إلى وسيلة ضغط على الصحافة.
العفو العام يتعثر عند موقف الجيش والنصاب
لم تنجح الجلسة التشريعية في حسم قانون العفو العام، بعدما تداخل الخلاف على التعديلات مع قضية حضور وزير الدفاع ثم فقدان النصاب.
وتوصلت الكتل، وفق معلومات صحافية، إلى نقاط تقارب تشمل جعل المؤبد 17 عاماً وإمكان استفادة بعض الملاحقين أصحاب الحق الشخصي باستثناء الجرائم التي توصف بالشائنة. كما جرى البحث في إخلاء سبيل من أمضى 12 عاماً مع استمرار المحاكمة، مع إدخال عبارة تتعلق بمن لم تصدر بحقهم أحكام مبرمة استجابة لملاحظات الجيش.
لكن التسوية لم تصل إلى التصويت النهائي، وأُرجئت المعركة إلى اليوم الثاني من الجلسة.
وهنا يبقى المعيار الأهم: معالجة التوقيف الطويل والمظلومية ممكنة ومطلوبة، لكن يجب أن تجري من دون المساس بحقوق الضحايا أو تجاوز اعتراضات تتصل بجرائم استهدفت الجيش.
المجلس يخسر نصابه وسط حرب المواقع
أظهر المسار المسائي حجم الانقسام داخل المجلس. فقد انسحبت كتل مختلفة لأسباب متباينة، وانخفض عدد النواب إلى درجة فقدان النصاب، رغم استمرار محاولات الرئيس نبيه بري لإنتاج تسوية تعيد الكتل إلى القاعة.
وحاول جورج عدوان الدفع نحو إبقاء النواب في المجلس إلى حين إقرار العفو، فيما استمرت الاتصالات بين بري والنواب السنّة وبقية الكتل بحثاً عن مخرج.
لكن النتيجة كانت واضحة: الملف الذي بدأ بتوافق نسبي تحوّل إلى عقدة سياسية ودستورية وكاد أن يطيح كامل الجلسة التشريعية.
احتجاجات الموظفين والمتقاعدين خارج المجلس
بالتزامن مع السجالات داخل ساحة النجمة، واصل موظفو القطاع العام والعسكريون المتقاعدون تحركاتهم احتجاجاً على تقسيط المستحقات المالية المقررة لهم على 12 شهراً.
ولوّح المحتجون بالتصعيد إذا لم تتراجع الحكومة عن الآلية، معتبرين أن التقسيط يفاقم خسارة القيمة الفعلية للمستحقات.
وبذلك شهدت ساحة النجمة مشهدين في الوقت نفسه: نواب يتنازعون على التشريع في الداخل، وموظفون ومتقاعدون يطالبون الدولة بحقوقهم على أبواب المجلس.
هيكلة المصارف تنتظر الفجوة المالية
بقي قانون إعادة هيكلة المصارف ضمن جدول الأعمال، لكنه مرتبط عملياً بقانون استرداد الودائع أو الفجوة المالية.
وهذا الترابط أساسي، لأن إعادة بناء القطاع المصرفي من دون حسم طريقة توزيع الخسائر ومصير أموال المودعين لن تكون إصلاحاً كاملاً.
وبالتالي، لا ينبغي قياس نجاح التشريع بمجرد إقرار هيكل جديد للمصارف، بل بمدى حماية أصحاب الودائع وتحديد المسؤوليات بوضوح.
الخريطة الإسرائيلية تعود تحت قبة البرلمان
عادت قضية الخريطة التي نشرتها الخارجية الإسرائيلية إلى النقاش داخل المجلس، مع انتقادات لغياب رد رسمي واسع يثبت الاعتراض اللبناني في المحافل الدولية.
وطالب نواب بتسجيل موقف واضح لدى الأمم المتحدة ومجلس الأمن بالاستناد إلى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً، فيما توسعت الانتقادات إلى «صيغة الإطار» والترسيم مع قبرص وأداء الحكومة في الملفات السيادية.
لكن بعض ما ورد في هذه المادة عبارة عن اتهامات نيابية وسياسية للحكومة، وليس إثباتاً بحد ذاته على وجود تفريط أو تنازل رسمي. والأهم هو تحويل موضوع الحدود من سجال سياسي إلى توثيق دبلوماسي وقانوني لا يترك أي التباس مستقبلي.
هرمز… مؤشرات تهدئة بلا اتفاق نهائي
إقليمياً، ارتفع منسوب التفاؤل بشأن المسار الإيراني–الأميركي مع حديث باكستاني عن اقتراب «ترتيب ما»، بالتزامن مع إعلان قطري عن تقدم في المفاوضات الإيرانية–العمانية المتعلقة بإدارة العبور في مضيق هرمز.
لكن التقرير لا يتضمن اتفاقاً نهائياً معلناً، لذلك تبقى المؤشرات إيجابية من دون إمكان الحديث عن تسوية مكتملة.
ويهم لبنان هذا التطور بصورة مباشرة، لأن خفض التوتر الأميركي–الإيراني يقلل خطر استخدام الساحة اللبنانية في مواجهة إقليمية جديدة.
سوريا الجديدة تعيد رسم الممرات الإقليمية
طرح تحليل في «نداء الوطن» قراءة تعتبر أن التحولات السورية والعلاقات المتنامية بين دمشق وأنقرة والرياض، إضافة إلى التعاون السعودي–التركي–الباكستاني، تقلص قدرة إيران على استخدام سوريا ممراً إقليمياً كما في المرحلة السابقة.
ويستنتج المقال أن الجهة المسلحة اللبنانية تجد صعوبة متزايدة في إعادة بناء شبكة نفوذها السابقة عبر سوريا، وأن أبواب موسكو وأنقرة وطهران لم تعد توفر لها المرونة نفسها.
لكنها تبقى قراءة تحليلية تعتمد على مصادر الصحيفة وتقديراتها لمسار الإقليم، وليست إعلاناً رسمياً بقطع جميع قنوات التواصل أو الإمداد.
خلاصة المشهد
يوم 12 آب وضع الدولة أمام اختبارين متزامنين.
في الجنوب، لا يزال المطلوب تحويل التفاوض إلى انسحاب ووقف نار وانتشار للجيش، بدلاً من أن يصبح التفاوض غطاءً لانتظار مفتوح.
وفي ساحة النجمة، أظهرت الجلسة التشريعية أن امتلاك أكثرية لإقرار قانون لا يكفي وحده. المطلوب أيضاً تشريع دقيق، احترام المؤسسات، حماية الجيش، حماية حرية الإعلام، وعدم تحويل العفو إلى تسوية غامضة.
إلغاء عقوبة الإعدام شكل تحولاً تشريعياً مهماً، لكن إقرار قانون الإعلام بنص موضع اعتراض، وتعثر العفو وسط خلاف حكومي وفقدان النصاب، كشفا أن الدولة لا تزال تواجه المشكلة نفسها التي تعانيها في الجنوب: الفارق بين اتخاذ القرار والقدرة على إنتاج تنفيذ متماسك ومقنع.
من علي الطاهر إلى ساحة النجمة، الامتحان واحد: هل تستطيع المؤسسات اللبنانية أن تكون المرجعية الفعلية للقرار، أم يبقى كل ملف رهينة الضغط والتسويات والوقائع المفروضة؟




