الجلسة التشريعية في مجلس النواب اللبناني وسط سجال العفو

من ساحة النجمة إلى علي الطاهر… لبنان أمام اختبار السلطة والسيادة

آب 12, 2026
قانون العفو والفرز السياسي بين مشروع الدولة

قانون العفو أعاد الفرز بين المعسكرين

آب 12, 2026
الجلسة التشريعية في مجلس النواب اللبناني وسط سجال العفو

من ساحة النجمة إلى علي الطاهر… لبنان أمام اختبار السلطة والسيادة

آب 12, 2026
قانون العفو والفرز السياسي بين مشروع الدولة

قانون العفو أعاد الفرز بين المعسكرين

آب 12, 2026

قرف اللبنانيين سببه أمران: العجز عن إرساء دولة والعجز عن الانفصال

شارل جبّور

ما يعيشه اللبنانيون اليوم يتجاوز الإحباط والقلق إلى شعور عميق بالقرف السياسي والوطني. قرفٌ من واقع لم يتبدّل منذ عقود، ومن دولة تبدو عاجزة عن أن تصبح دولة فعلية وحقيقية، ومن بلد معلّق بين مشروع الدولة ومشروع اللادولة، وبين منطق الحياة ومنطق الحروب.

مصدر هذا الشعور يعود إلى أمرين أساسيين:

الأمر الأول هو استمرار الدولة في لبنان كدولة شكلية. فمنذ أكثر من ستين عامًا، تنقّلت هذه الدولة بين دورين: كانت في مراحل أداةً بيد أنظمة الاحتلال والوصاية، من الأسدية إلى الخمينية، ثم تحوّلت لاحقًا إلى دولة تخلّصت جزئيًا من كونها أداة، لكنها بقيت عاجزة عن أن تصبح دولة فعلية. دولة لا تريد المواجهة، أو لا تجرؤ عليها، ولا تبادر إلى استعادة صلاحياتها الكاملة، وفرض سيادتها، وتنفيذ دستورها، واحتكار قرار الحرب والسلم، وضبط حدودها، وبسط سلطتها على كامل أراضيها.

أمام هذا المشهد، بدأ اللبنانيون يطرحون التساؤلات التالية: هل كُتب على لبنان أن يبقى بلا دولة فعلية؟ هل قدر اللبنانيين أن يعيشوا إلى الأبد في ظل دولة صورية، تتبدّل أشكال ضعفها، لكن ضعفها يبقى ثابتًا؟ وهل المطلوب من شعب كامل أن يعتاد العيش في ظل سلطة لا تحميه، ولا تقرر عنه، ولا تدافع عن مصالحه؟
هذه التساؤلات هي مصدر يومي للقلق واليأس، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبله في ظل دولة معلّقة بين الوجود والغياب.

أما المصدر الثاني لهذا الإحباط، فهو أن استحالة قيام الدولة الفعلية تقابلها أيضًا استحالة الانفصال والبحث في أي صيغة أخرى تسمح للمجموعات اللبنانية، في ظل وطن تعددي، بأن تعيش بأمن واستقرار بعيدًا عن مشروع الحروب الدائمة. فحين تعجز الدولة عن فرض سلطتها، وحين تبقى فئة سياسية أو عسكرية قادرة على مصادرة القرار الوطني وجرّ البلاد إلى حروب لا يريدها معظم اللبنانيين، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا تُفرض خيارات أقلية على أكثرية؟ ولماذا تتحمّل جماعات كاملة أثمان حروب ومشاريع لا علاقة لها بها؟ وما هي العوائق والحواجز التي تحول دون الفصل الجغرافي بين مجموعات تتساكن على أرض واحدة، ولا تتشابه في أي جانب من الجوانب القيمية والإنسانية والوطنية؟
لا يمكن لأي فئة، مهما كان حجمها، أن تحتكر مصير اللبنانيين في بلد تعددي أو أن تفرض عليهم خيارات الحرب أو السلم. وإذا كانت هناك جماعة سياسية تؤمن بمنطق المواجهات المفتوحة والمشاريع الإقليمية، فلا يحق لها أن تحمّل بقية اللبنانيين كلفة خياراتها، لا اقتصاديًا ولا أمنيًا ولا إنسانيًا.

وهنا بالذات يكمن مصدر القرف والاشمئزاز: لا دولة فعلية قادرة على حماية الجميع وفرض سيادتها، ولا إمكانية للفصل والانفصال عن مشروع الحرب. وبين هذين العجزين، يعيش اللبنانيون حالة من الاختناق الوطني واليأس الجماعي. لكن ليس قدرًا للإنسان أن يعيش في الذل والخوف والحروب. وليس قدرًا لشعب أن يبقى رهينة ثقافة الموت والعنف. فالإنسان خُلق للحياة، وللحرية، وللاستقرار، لا ليكون وقودًا لمعارك الآخرين ومشاريعهم.

فإما دولة فعلية تحتكر السلاح والقرار والسيادة، وتفرض سلطتها على الجميع من دون استثناء، وإما بحثٌ جدي في صيغ انفصالية تتيح لكل جماعة أن تعيش وفق خياراتها ومعتقداتها، بعيدًا عن منطق الإكراه وفرض المصائر. أما البقاء في المنطقة الرمادية الحالية، حيث لا دولة كاملة ولا قدرة على الفصل عن مشروع الحرب والموت والفوضى، فهو الوصفة الأكيدة لاستمرار الانهيار واليأس.

فإما دولة فعلية، وإما القطع السياسي والكياني والجغرافي مع محور الحرب. وما عدا ذلك ليس سوى تمديد للأزمة وتأجيل للانفجار الشعبي المقبل.