المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل وسط تصعيد الجنوب

روما معلّقة… ولبنان بين نار الجنوب وامتحان التشريع

آب 11, 2026
قوات UNIFIL في جنوب لبنان والبحث عن قوة بديلة

UNIFIL: روحة بلا رجعة

آب 11, 2026
المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل وسط تصعيد الجنوب

روما معلّقة… ولبنان بين نار الجنوب وامتحان التشريع

آب 11, 2026
قوات UNIFIL في جنوب لبنان والبحث عن قوة بديلة

UNIFIL: روحة بلا رجعة

آب 11, 2026

الخريطة الإسرائيلية حُذفت… فمتى يُحذف السلاح الإيراني؟

شارل جبّور

أثارت خريطة إحصائية نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية، وظهرت فيها أجزاء من جنوب لبنان ضمن المساحة الإسرائيلية، موجة من المزايدات السياسية والإعلامية، قبل أن تُحذف الخريطة عن منصة “إكس”. وسارع الفريق الممانع إلى تحويلها إلى قضية كبرى، وكأن هذه الخريطة وحدها تكفي لإثبات وجود مشروع إسرائيلي لضم أجزاء من لبنان.
لكن، بعيداً من المزايدات، لا بد من وضع هذه الواقعة في سياقها الصحيح:

أولاً، لا أحد في لبنان متمسّك بغير حدوده الدولية. اللبنانيون متمسكون بحدود دولتهم وسيادتها واستقلالها، ولا يقبلون اقتطاع شبر واحد من الأراضي اللبنانية. أما النظام السياسي البالي الذي أوصل لبنان إلى الانهيار والحروب والوصاية، فهذا موضوع آخر تماماً. فلا يجوز الخلط بين التمسك بحدود لبنان وبين الدفاع عن نظام سياسي أنتج كل هذه المآسي.

ثانياً، لا يوجد حتى الآن ما يثبت أن إسرائيل تريد ضم أجزاء من لبنان. بل إن الوقائع السياسية والتاريخية تقول العكس تماماً. فإسرائيل انسحبت من تلقاء نفسها من لبنان عام 2000، ومن لديه مشروع لضم لبنان أو أجزاء منه لا ينسحب منه. والأهم أن الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 أحدث زلزالاً سياسياً في المنطقة، وأربك سردية ما يسمى بـ”المقاومة” التي بنت شرعيتها المزيفة على استمرار الاحتلال. كما ساهم في تسريع التحولات التي انتهت، بعد سنوات قليلة، إلى خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005. أي إن الانسحاب الإسرائيلي لم يكن مقدمة لضم لبنان كما يدعي المحور الممانع، بل كان أحد العوامل التي ساهمت في تحرير لبنان من جيش الأسد الذي حكم لبنان لعقود.

وفي عام 2006، دخلت إسرائيل الحرب مجدداً نتيجة حرب بدأها الحزب الإيراني، قبل أن تنسحب لاحقاً. وفي 8 تشرين الأول 2023، دخل لبنان مجدداً في الحرب نتيجة قرار الحزب فتح جبهة من الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل. وبالتالي، فإن الحضور العسكري الإسرائيلي في لبنان لم يكن نتيجة مشروع إسرائيلي معلن لاحتلال لبنان أو ضم أراضيه، بل جاء في سياق حروب بدأها الحزب من الأراضي اللبنانية، معتدياً فيها على إسرائيل، ومتسبباً، مرة بعد مرة، في إعادة لبنان إلى دائرة الحرب.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة. الفريق الذي يريد اليوم تحويل خريطة حُذفت إلى دليل على أطماع إسرائيلية في لبنان هو نفسه الفريق الذي يجب أن يُسأل: لماذا أدخلتم إسرائيل إلى لبنان أصلاً؟
لو لم يكن هناك سلاح خارج الدولة، ولو لم يكن هناك قرار حرب وسِلْم خارج مؤسسات الدولة، ولو لم يكن لبنان قد تحوّل إلى منصة عسكرية للمشروع الإيراني، لما كانت إسرائيل تملك أصلاً الذريعة التي تستخدمها للوجود العسكري في الأراضي اللبنانية، ولما دخلت أساساً إلى لبنان.

أما اتفاق الإطار الذي جرى برعاية الولايات المتحدة، والذي يرفضه الفريق الممانع، فقد قام على أساس واضح: نزع السلاح الإيراني يفتح الطريق أمام انسحاب إسرائيلي كامل، مع تأكيد إسرائيلي بعدم وجود أطماع في الأراضي اللبنانية. أي إن إسرائيل تعهدت خطياً بالخروج من لبنان عندما تسيطر الدولة اللبنانية على سيادتها، وأكدت خطياً أن لا أطماع لها في لبنان.
ومن هنا، فإن الخريطة، إذا كانت خطأً، فهي خطأ وقد حُذفت. وإذا كانت رسالة سياسية، فالأرجح أنها رسالة مرتبطة بمسؤولية الدولة اللبنانية عن منع استخدام أراضيها للاعتداء على إسرائيل، وهي رسالة حثّ للدولة بأن تتحمل مسؤولياتها. ولا أحد يستبعد أن تكون الرسالة ببساطة: إذا بقي السلاح غير الشرعي قائماً، فإن الحرب ستبقى قائمة، وستبقى إسرائيل معنية بأمن حدودها، ولن تخرج من المناطق التي دخلت إليها بسبب الحزب الإيراني إلا بعد نزع سلاحه وحل تنظيمه.

لكن تحويل هذه الواقعة إلى إثبات قطعي بأن إسرائيل تريد ضم أجزاء من لبنان هو قفز فوق كل الوقائع الأخرى. والأغرب أن الحزب الإيراني في لبنان يريد أن يتحدث اليوم عن السيادة والحدود والأطماع الخارجية. آخر من يحق له الكلام عن السيادة اللبنانية هو من صادر قرار الحرب والسلم من الدولة اللبنانية. وآخر من يحق له المزايدة في مسألة دخول إسرائيل إلى لبنان هو من فتح لها الجبهة من الأراضي اللبنانية. وآخر من يحق له الكلام عن الحدود هو من لا يؤمن بحدود ودساتير ودول.

فإسرائيل لم تأتِ إلى الجنوب لأن لبنان دولة معادية لها، بل جاءت في سياق حروب بدأت من لبنان من قبل تنظيمات صادرت دور الدولة اللبنانية. أما الذي جعل لبنان ساحة مفتوحة لصراعات الممانعة، والذي جعل اللبنانيين يدفعون ثمن حروب لا قرار لهم فيها، فهو السلاح الإيراني خارج الدولة.

ولذلك، إذا كان المطلوب تحديد من لديه مشروع إلحاق لبنان بالخارج، فعلينا أن نتحدث بوضوح. إسرائيل، بحسب ما هو معلن ومؤكد، تريد أمن حدودها وانسحابها من لبنان متى زال السبب الذي أبقاها في حالة مواجهة. أما إيران، فمشروعها كان ولا يزال مختلفاً: بناء نفوذ سياسي وعسكري وأمني داخل لبنان، وإنشاء قوة مسلحة مرتبطة بها، وتحويل لبنان إلى ساحة متقدمة في صراعاتها الإقليمية ضمن مشروعها التوسعي التخريبي.
ومن يريد أن يلحق لبنان بمحور خارجي ليس من ينسحب منه، بل من يبني داخله قوة عسكرية ميليشياوية مرتبطة عضوياً بإيران. ومن يريد أن يصادر القرار اللبناني ليس من يرسم خريطة ثم يحذفها، بل من يحتفظ بسلاح يتيح له وحده تحديد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

ومن دمّر لبنان وشرّد اللبنانيين وأضعف الدولة وحوّلها إلى دولة شكلية لم يكن إسرائيل، بل منظومة الوصاية السورية أولاً، والمشروع الإيراني الذي ورثها في النفوذ والهيمنة ثانياً.
لذلك، لا ينبغي أن نسمح للفريق الممانع بأن يقلب الوقائع. إذا كانت إسرائيل تريد، في يوم من الأيام، اقتطاع جزء من لبنان، فلبنان كله سيرفض ذلك، والدولة اللبنانية والمجتمع الدولي سيرفضانه. لكن لا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن هذا هو المشروع الإسرائيلي. أما المشروع الإيراني في لبنان، فليس افتراضاً ولا خريطة حُذفت من منصة “إكس”. إنه واقع عمره عقود، عنوانه سلاح خارج الدولة، وقرار حرب خارج الدولة، وربط لبنان بمصالح الدولة الإيرانية التوسعية.
وإذا كان المطلوب اليوم حماية لبنان من أي أطماع خارجية، فالبداية ليست بمزايدة على خريطة حُذفت، بل باستعادة الدولة لقرارها وسلاحها وسيادتها. وعلى الحزب الإيراني في لبنان، بدلاً من المطالبة بوقف التفاوض وإصدار البيانات وتوزيع الاتهامات، أن يصمت ويتحمّل مسؤولية الخيار الذي اتخذه، وأن يعلن انتهاء مشروعه المسلح الذي هُزم في الميدان، وكان السبب في دخول إسرائيل إلى لبنان.

فمن أدخل إسرائيل إلى الجنوب هو السلاح الذي حمله الحزب من أجل حرب لم يقررها اللبنانيون. ومن يريد إخراج إسرائيل من لبنان، فعليه أن يزيل السبب الذي أعادها إليه. أما أن يشعل الحرب، ثم يشتكي من نتائجها، ثم يزايد على الدولة في السيادة، فليست هذه إلا محاولة للهروب من المسؤولية.

وعلى الدولة أن تتحمّل، لمرة واحدة، مسؤوليتها بنزع سلاح الحزب الإيراني، لأنه من دون نزعه لا دولة فعلية في لبنان ولا من يحزنون، بل سيبقى لبنان ساحة موت وفوضى لإيران. إن مشكلة لبنان الأساسية والجوهرية ليست مع إسرائيل، بل مع إيران. والخريطة الإسرائيلية حذفت، أما السلاح الإيراني، الذي حوّل لبنان إلى ساحة حرب وصادر قراره وسيادته، فلا يكفي أن يُنتقد ويُدان، بل يجب أن يُحذف من المعادلة اللبنانية نهائياً. الخريطة حُذفت بضغطة زر، فمتى يُحذف السلاح الإيراني بقرار من الدولة؟ المطلوب تحرير لبنان من إيران، والذهاب إلى السلام مع إسرائيل.