كهرباء لبنان ومتأخرات المؤسسات والبلديات والمستشفيات

الدولة تبتلع 217 مليون دولار من كهرباء لبنان

آب 10, 2026
كهرباء لبنان ومتأخرات المؤسسات والبلديات والمستشفيات

الدولة تبتلع 217 مليون دولار من كهرباء لبنان

آب 10, 2026

الطائف سقطت قواعده: أي لبنان جديد ومن يضمنه؟

شارل جبّور

انتهت الحرب اللبنانية على قاعدة تسوية تاريخية قامت عمليًا على قاعدتين متلازمتين: عروبة لبنان مقابل نهائية كيانه، والإصلاحات الدستورية مقابل الانسحابات العسكرية. كان الخلاف اللبناني في جوهره يدور حول سؤالين متداخلين: هل لبنان وطن نهائي مستقل بذاته، أم جزء من فضاء قومي أو عروبي أو إسلامي أوسع؟ وهل تكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار والسيادة، أم يبقى القرار موزّعًا بين الدولة، ولو صوريًا، وقوى مسلحة مرتبطة بالخارج؟ جاء اتفاق الطائف ليقدّم تسوية بين هذين الاتجاهين. فأقرّ أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، عربي الهوية والانتماء. أي إنه جمع بين مطلبين كانا يُقدَّمان تاريخيًا على أنهما متناقضان: الاعتراف بعروبة لبنان من جهة، والاعتراف بنهائية كيانه واستقلاله من جهة أخرى.

وفي المقابل، قامت التسوية على معادلة أخرى: إصلاحات دستورية وسياسية مقابل استعادة السيادة والانسحابات العسكرية. حصلت الإصلاحات الدستورية، وتغيّر موقع السلطة التنفيذية، وانتقلت القرارات الأساسية إلى داخل مجلس الوزراء، في مقابل التعهد بإنهاء الوجود العسكري غير اللبناني على الأراضي اللبنانية. لكن المفارقة أن الإصلاحات نُفّذت، فيما الانسحابات لم تُنفّذ حتى اليوم. انسحب الجيش الأسدي من لبنان عام 2005، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى استكمال منطق التسوية السيادي، لأن القرار السيادي انتقل من دمشق إلى طهران بواسطة حزبها في لبنان. وهكذا انتقل لبنان من وصاية سورية مباشرة إلى نفوذ إيراني أكثر تعقيدًا، يقوم على وجود دولة لبنانية ومؤسسات دستورية، لكن إلى جانبها قوة مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم.

والنتيجة أن جوهر الطائف بقي مختلًا منذ لحظة إعلانه. فالاعتراف بعروبة لبنان لم يؤدِّ إلى قيام لبنان فعليًا داخل منظومة عربية قادرة على حمايته، كما أن الاعتراف بنهائية الكيان لم يتحوّل إلى سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها وقرارها. وفي المقابل، تحققت الإصلاحات، فيما بقيت مسألة احتكار الدولة للسلاح والقرار السيادي معلقة حتى اليوم. وهنا تبرز المشكلة الأساسية: هل ما زالت صيغة الطائف، بصيغتها السياسية والإقليمية التي نشأت فيها، قادرة على إنتاج لبنان قابل للحياة؟

بعد 36 عامًا، تغيّر الشرق الأوسط بصورة جذرية. فالجامعة العربية لم تعد إطارًا فاعلًا لإدارة أزمات المنطقة، ولم تتمكن، مثلًا، من الاضطلاع بدور حاسم في مواجهة الاعتداءات الإيرانية على الدول الخليجية، وحتى عندما تجتمع، غالبًا ما تكتفي ببيانات تفتقر إلى آليات تنفيذية. وبالتالي، تحولت إلى إطار شكلي أكثر منه مؤسسة قادرة على فرض قراراتها. كما أن موازين القوى الدولية والإقليمية التي نشأ الطائف في كنفها تبدلت جذريًا. سقطت أنظمة، وتغيّرت التحالفات، وصعد الدور الإيراني قبل أن يبدأ بالتراجع، وتراجع الدور العربي التقليدي، فيما ظهرت ترتيبات وتحالفات إقليمية جديدة تعكس البحث عن توازنات أمنية وسياسية مختلفة.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: أين تقع مصلحة لبنان اليوم؟ هل تكفي عبارة “عربي الهوية والانتماء” إذا لم تكن هناك منظومة عربية قادرة على حماية لبنان من مشاريع الهيمنة الإقليمية؟ وهل تكفي عبارة “وطن نهائي لجميع أبنائه” إذا بقيت هناك قوة مسلحة تستطيع أن تضع لبنان في مواجهة المنطقة والعالم من دون قرار الدولة؟ وهل يمكن فصل الإصلاحات السياسية عن مسألة السيادة؟ وهل يمكن أن يكون هناك نظام سياسي قابل للحياة في ظل وجود سلاح خارج الدولة؟
هذه ليست دعوة إلى إسقاط الطائف لمصلحة صيغة مجهولة، بل دعوة إلى إعادة طرح السؤال اللبناني من أساسه. فالطائف كان تسوية لبناء دولة فعلية، وجاء في سياق عربي وإقليمي ودولي محدد، لكنه لم يتمكن من بناء الدولة الموعودة، كما لم يتمكن العرب من توفير الحماية السياسية والسيادية الكافية لتنفيذ التسوية. أما اليوم، فقد تغيّرت الظروف التي أنتجته، وتغيّرت المنطقة، وتغيّر موقع لبنان فيها. والأهم أن بعض الشروط التي قامت عليها التسوية لم تُنفَّذ، فيما استُخدمت بعض بنودها لتثبيت توازنات جديدة لا علاقة لها بالهدف الأساسي: قيام دولة لبنانية سيدة ومستقرة وقابلة للحياة.

من هنا، قد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرحه اللبنانيون اليوم: ما هي الصيغة التي تجعل لبنان وطنًا قابلًا للحياة؟ ما هي القواعد التي تحمي نهائية الكيان فعليًا، لا نظريًا؟ ما هي القواعد التي تمنع أي طرف لبناني من تحويل لبنان إلى ساحة لمشروع خارجي؟ ما هي الضمانات التي تجعل الإصلاحات السياسية مترافقة حكمًا مع سيادة الدولة؟ وما هي الجهة القادرة على ضمان تنفيذ أي تسوية جديدة؟
وهنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية: الضمانة.

فالدرس الأبرز من تجربة الطائف هو أن النصوص وحدها لا تكفي. فالطائف لم يُطبَّق بصورة كاملة بسبب غياب ضمانة حقيقية لتطبيقه. وأي صيغة سياسية لا تملك آلية تنفيذ وضمانة واضحة ستبقى عرضة للانقلاب عليها كلما تبدّلت موازين القوى. لبنان لا يحتاج فقط إلى اتفاق جديد، بل إلى صيغة جديدة قابلة للحياة، وإلى ضمانة تمنع أي طرف داخلي أو خارجي من إسقاطها بالقوة.

لقد التزم اللبنانيون، بدرجات متفاوتة، بالكثير من مندرجات التسوية، لكن لبنان لم يصل إلى الدولة التي وعد بها الطائف. بقيت نهائية الكيان منقوصة، وبقيت السيادة مجتزأة، وبقي القرار الوطني عرضة للتعطيل والاختطاف. وبالتالي، السؤال هو: من يضمن التسوية الجديدة، أو الطائف الجديد؟ ولا يمكن أن تكون الإجابة، ببساطة، “العرب”، لأن التجربة أكبر برهان.

المطلوب هو البحث، بهدوء وواقعية، عن تسوية لبنانية جديدة تجمع بين الدولة الضامنة للتعددية، والدولة المحمية عسكريًا من الخارج، والدولة التي تحتكر قرار الحرب والسلم. فلا حياة للبنان على قاعدة توافق داخلي هشّ من دون مظلة تحمي هذا التوافق، ولا يكون استقرار لبنان ممكنًا مع استمرار مشروع إيراني يجرّه إلى محاور وصراعات لا تخدم مصالحه.

ومن هنا، فإن هزيمة المشروع الإيراني في لبنان تفتح الباب أمام الانتقال إلى دولة قادرة على حماية نفسها، ومحمية في الوقت نفسه من أي محاولة خارجية لجرّها إلى الحروب والمحاور. ويبقى السؤال الأهم اليوم: أي لبنان نريد بعد الطائف؟ لبنان المركزي؟ لبنان الفدرالي؟ لبنان القائم على أقاليم؟ أم صيغة أخرى لم تُطرح بعد؟والسؤال الموازي والأكثر أهمية: من يضمن أن يكون لبنان الذي نتفق عليه هذه المرة قابلاً للحياة؟
فمن دون إجابة واضحة عن هذين السؤالين، ستبقى كل التسويات مؤقتة، وكل النصوص قابلة للتعطيل، وسيبقى لبنان معرّضًا لأن يكون، مرة أخرى، ضحية موازين القوى الإقليمية. لأن المشكلة اللبنانية لم تكن يومًا في غياب النصوص فقط، بل في غياب القوة الضامنة لتنفيذها. ومن دون “سبونسر” قادر على ضمان التسوية، ستبقى التسويات اللبنانية حبرًا على ورق.