
من زنزانة جعجع إلى سقوط مشروع الممانعة
يوليو 26, 2026
بين 17 أيار واتفاق الإطار: لا خلاص للبنان إلا بحسم الخيارات
يوليو 27, 2026الموجز الإعلامي اليومي | 27 تموز 2026
دخل الملف الجنوبي مرحلة أكثر حساسية مع انتقال الجيش اللبناني من الاكتفاء بتنفيذ مهماته الميدانية إلى إعلان موقف واضح يتهم إسرائيل بعرقلة تطبيق «صيغة الإطار». وتقاطعت مقدمات الأخبار وافتتاحيات الصحف عند اعتبار بيان الجيش رسالة سياسية وأمنية تسبق جولتين مترابطتين: لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في واشنطن، ثم الجولة السابعة من المحادثات اللبنانية–الإسرائيلية المقررة في روما في 4 آب.
وأكد الجيش أن القوات الإسرائيلية تواصل التدمير الممنهج للمنازل وتجريف الأراضي والقصف وإطلاق النار قرب نقاط تمركزه في كفرتبنيت والنبطية الفوقا وزوطر الغربية، بما يعرقل انتشاره ويمنع عودة السكان وإرساء الاستقرار. واعتبرت «النهار» و«الديار» أن توقيت البيان يشكل إنذاراً قبل اجتماع روما، ورسالة بأن المؤسسة العسكرية مستعدة لاستكمال مهماتها، لكن التنفيذ لا يمكن أن يسير من طرف واحد فيما تواصل إسرائيل خرق التفاهمات.
وبقيت زوطر الغربية النموذج الأوضح لتعقيدات المرحلة الأولى من «المناطق التجريبية». فقد واصل الجيش مواكبة دخول الأهالي وتنفيذ مهماته في البلدة وفرون وصريفا، إلا أن العودة بقيت محدودة وموقتة بسبب حجم الدمار واستمرار السيطرة الإسرائيلية بالنار على بعض الأحياء القريبة من زوطر الشرقية. ورأى رئيس مجلس النواب نبيه بري أن التجربة لا تدعو إلى التفاؤل، متسائلاً عن المدة اللازمة لتحقيق انسحاب كامل إذا كان دخول الأهالي إلى بلدة واحدة استغرق أياماً وبقي خاضعاً للقيود.
وفي المقابل، شددت المواقف الرسمية على أن هذه الصعوبات لا تبرر وقف المسار، بل تفرض إلزام إسرائيل بتنفيذ تعهداتها. وتوقعت مصادر أن يتمسك الوفد اللبناني في روما بأولوية الانسحاب من مناطق إضافية قبل البحث في توسيع مهمات الجيش أو فتح ملفات جديدة، ولا سيما مخازن السلاح والتفتيش داخل المنازل.
عقدة التحقق والتفتيش
برزت آلية التحقق بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيداً في الجولة المقبلة. فإسرائيل تسعى، وفق الصحف، إلى الاحتفاظ بحق الدخول الميداني إلى القرى التي تنسحب منها، وتنفيذ عمليات تفتيش تشمل المنازل عند الاشتباه بوجود أسلحة، فيما يرفض الجيش اللبناني هذا الطرح بصورة قاطعة، ويتمسك بأن تنفذ القوات الشرعية اللبنانية وحدها أي إجراءات داخل الأراضي اللبنانية.
وتداولت الأوساط الدبلوماسية أفكاراً حول إسناد جانب من المراقبة إلى جهة دولية، من بينها إيطاليا، بعدما لم تطرح واشنطن حتى الآن تصوراً رسمياً لنشر ضباط أميركيين على الأرض. كما لم يُحسم موعد زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر والجنرال جوزف كليرفيلد إلى لبنان، بسبب انشغالهما بالتطورات المرتبطة بإيران.
وحذرت تقارير من محاولة إسرائيل استخدام محدودية قدرات الجيش وعديده ذريعة للقول إن انتشاره الكامل يحتاج إلى سنوات، بما يسمح لها بتثبيت احتلالها أو العودة إلى المناطق التي تنسحب منها تحت عنوان «التحقق الأمني». ولهذا يتمسك لبنان بأن تكون أي آلية رقابة بالتنسيق بين الجيش والجانب الأميركي أو بالتعاون مع «اليونيفيل»، ومن دون وجود إسرائيلي مباشر داخل الأراضي اللبنانية.
عون وماكرون ومرحلة ما بعد «اليونيفيل»
تناول الاتصال بين الرئيس جوزاف عون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تطورات الجنوب ونتائج محادثات واشنطن ومستقبل القوات الدولية. وأظهرت التغطيات أن فرنسا تشعر بأنها أُبعدت عن المسار التفاوضي، بعدما طرحت قيادة قوة دولية بديلة تحل محل «اليونيفيل» في حال انتهاء مهمتها، من دون أن تتلقى حتى الآن طلباً لبنانياً رسمياً واضحاً.
وفي المقابل، يسعى لبنان إلى منع أي فراغ دولي في الجنوب، مع استمرار الاتصالات لضمان بقاء «اليونيفيل» أو تمديد مهمتها حتى عام 2027 على الأقل، أو التوصل إلى صيغة بديلة تساعد الجيش على تثبيت الاستقرار وإزالة الذخائر غير المنفجرة. إلا أن هذا الطرح لا يزال يواجه اعتراضاً إسرائيلياً وغموضاً أميركياً، فيما تتمسك إسرائيل بما تسميه «المنطقة الأمنية» وترفض تسليمها إلى أي قوة دولية في المرحلة الراهنة.
وتلقى عون كذلك اتصالاً من أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين، الذي نقل دعم الكرسي الرسولي لجهود إنهاء معاناة اللبنانيين وتحقيق الأمن والاستقرار، ولا سيما في الجنوب.
بري بين التواصل والتحفظ
استمر رئيس مجلس النواب نبيه بري في إظهار تمايز بين الحفاظ على التواصل مع رئيس الجمهورية وبين تحفظه العميق على المسار التفاوضي. فوصف علاقته بعون بالممتازة، وتحدثت الصحف عن زيارة محتملة له إلى بعبدا خلال الأسبوع، لكنه أكد أن أولويته تبقى وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي الكامل وعودة الأهالي، رافضاً تحويل المرحلة إلى مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل.
كما دعا بري إلى ضمانة إقليمية ودولية تضم الولايات المتحدة والسعودية وإيران لحماية الاستقرار اللبناني. وعكست مواقفه محاولة إبقاء باب التواصل مفتوحاً مع الرئاسة، من دون تبني كامل للمقاربة التي خرج بها عون من واشنطن.
في المقابل، أعلن نواب من كتلة «الوفاء للمقاومة» استمرار معارضتهم السياسية والإعلامية والشعبية للسلطة، مع التأكيد على عدم وجود مشكلة مع الجيش بوصفه ينتشر بين أهله، واعتبار أن المشكلة الأساسية هي استمرار الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.
سلام في بغداد… من الفيول إلى خط كركوك–طرابلس
اقتصادياً وسياسياً، تصدرت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى بغداد المشهد العربي، حيث ترأس وفداً ضم وزراء المالية والطاقة والاتصالات، والتقى المسؤولين العراقيين لبحث التعاون في الطاقة والنقل والاتصالات والاستثمار.
وشدد سلام على أن لبنان يريد أن يكون شريكاً فاعلاً في مشاريع الربط والتكامل الإقليمي، فيما أكد الجانب العراقي الحرص على دعم الاستقرار وتطوير العلاقات الثنائية. وتناولت المحادثات استمرار الدعم العراقي للبنان بالفيول اللازم لمعامل الكهرباء، إضافة إلى إعادة إحياء خط النفط العراقي–السوري–اللبناني من كركوك عبر بانياس وصولاً إلى منشآت طرابلس.
وإذا أمكن تنفيذ هذا المشروع، فقد يعيد تشغيل منشآت طرابلس ويمنح لبنان دوراً في شبكة الطاقة الإقليمية، إلا أن نجاحه يرتبط بالتفاهم مع سوريا وبالاستقرار الأمني والسياسي في الدول الثلاث.
الكهرباء والودائع… أزمات داخلية مؤجلة
رغم طغيان الملف الجنوبي، بقيت أزمة الكهرباء حاضرة في مقدمات الأخبار، وسط تبادل الاتهامات بين القوى السياسية بشأن تراجع ساعات التغذية وغياب خطة تنفيذية واضحة. وتركز الاهتمام على إمكان تأمين الفيول العراقي، فيما وُجهت انتقادات إلى الحكومة ووزارة الطاقة بسبب الاعتماد المستمر على المساعدات والاتفاقات الخارجية بدلاً من إصلاح جذري للقطاع.
كما عاد ملف أموال المودعين إلى الواجهة، مع اتهامات للسلطات المالية والنيابية بتكرار الوعود من دون تقديم آلية واضحة وعادلة لاستعادة الودائع، في ظل الخشية من استمرار تآكل قيمتها مع مرور الوقت.
سوريا تنفي التدخل العسكري… وتعرض دوراً سياسياً
أكد الرئيس السوري أحمد الشرع أن بلاده لن تتدخل عسكرياً في لبنان، معتبراً أن معالجة الأزمة اللبنانية لا يجب أن تكون أمنية فقط، وأن أي فوضى في لبنان ستنعكس مباشرة على سوريا. كما أشار إلى أن دمشق تبحث مع الحكومة اللبنانية سبل المساعدة في تجاوز الأزمة.
لكن مقالاً في «الأخبار» قدم قراءة أكثر تشدداً، معتبراً أن سوريا الجديدة تسعى إلى تثبيت دور سياسي وأمني واقتصادي متزايد في لبنان، ولو من دون تدخل عسكري مباشر. وطرح المقال سيناريوهات عن تدخل محتمل بطلب رسمي لبناني، لكنه لم يقدم دليلاً رسمياً على وجود خطة تنفيذية من هذا النوع، ولذلك تبقى هذه السيناريوهات في إطار التحليل والتقدير السياسي لا المعلومات المؤكدة.
وتناول المقال كذلك ملفات الحدود والنازحين والتعاون الأمني والمعابر والمرافئ، معتبراً أن دمشق تريد أن تكون جزءاً من أي ترتيب إقليمي يشمل لبنان وسوريا والعراق، بالتوازي مع الأدوار السعودية والتركية والأميركية.
قمة ترامب–نتنياهو والتوتر مع إيران
إقليمياً، اتجهت الأنظار إلى لقاء ترامب ونتنياهو، لما قد يتركه من أثر مباشر على لبنان وجولة روما. وتشير التقديرات إلى أن نتنياهو سيحاول الحصول على دعم أميركي لمواصلة الضغط على إيران، وربط أي انسحاب من لبنان بشروط تتعلق بأداء الجيش وحصر السلاح.
وفي المقابل، تحدثت مصادر عن منح المسار الدبلوماسي الأميركي–الإيراني فرصة جديدة بعد هدوء نسبي في المواجهات، من دون أن يعني ذلك زوال احتمال التصعيد. وتخشى بيروت أن تتحول أي مواجهة جديدة إلى ذريعة لإعادة إشعال الجبهة اللبنانية أو تأخير تنفيذ الاتفاقات الجنوبية.
وأكدت مصادر حكومية أن الأولوية اللبنانية هي تحييد البلاد عن الحرب، وتكثيف الاتصالات العربية والدولية لمنع انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى لبنان. كما رأت أن العمليات الإسرائيلية الحالية لا تزال في إطار الضغط الميداني، مع ضرورة التعامل بجدية مع احتمال توسعها.
زيارة سعودية مرتقبة
أفادت «اللواء» بأن المستشار في الديوان الملكي السعودي الأمير يزيد بن فرحان سيزور بيروت الخميس، في إطار تحرك سعودي يهدف إلى تحصين الاستقرار اللبناني. وتتزامن الزيارة مع حديث بري عن أهمية الدور السعودي، ومع استمرار التنسيق بين بيروت والرياض وواشنطن لمنع انزلاق لبنان إلى مواجهة جديدة.
الحويك ولبنان الكبير… المشكلة في الجغرافيا أم في السياسة؟
استمرت تداعيات تطويب البطريرك إلياس الحويك في المقالات الفكرية والسياسية. ودافع صلاح سلام في «اللواء» عن مشروع لبنان الكبير، معتبراً أن الحويك لم يسع إلى توسيع طائفي، بل إلى إنشاء دولة قابلة للحياة تمتلك السهول الزراعية والمرافئ والعمق الاقتصادي. وخلص إلى أن فشل التجربة لم يكن بسبب حدود لبنان أو تنوعه، بل بسبب إخفاق الطبقة السياسية في بناء دولة المواطنة والمؤسسات وتحويل النظام إلى محاصصة وارتباطات خارجية.
وفي قراءة مختلفة، ناقش أمجد إسكندر في «نداء الوطن» العلاقة بين مشروع لبنان الكبير وعودة النقاش في الفدرالية، معتبراً أن تطويب الحويك يحمل أبعاداً وطنية وسياسية تتجاوز البعد الكنسي. إلا أن المقال طرح مراجعة نقدية لمسار الصيغة اللبنانية، ودعا إلى عدم الاكتفاء بالرمزية الدينية من دون مراجعة سياسية صريحة لما أصاب الدولة.
خلاصة المشهد
يدخل لبنان أسبوعاً حاسماً تتقاطع فيه ثلاثة مسارات: ضغط الجيش لوقف الاعتداءات الإسرائيلية، قمة ترامب–نتنياهو التي قد تحدد هامش التحرك الأميركي، وجولة روما التي ستختبر قدرة الوساطة على تحويل التفاهمات إلى انسحاب فعلي.
لكن المعادلة باتت أوضح: لا يمكن مطالبة الدولة بتوسيع انتشارها بينما تُستهدف وحدات جيشها وتُمنع من العمل بحرية، ولا يمكن بناء الثقة بمسار دبلوماسي لا يفرض على إسرائيل وقف التدمير والانسحاب.
ساعة الحسم لا تتعلق بمصير زوطر الغربية وحدها، بل بالسؤال الأكبر: هل تنتقل الدولة من إدارة الخروقات إلى فرض تنفيذ الاتفاق، أم تنجح إسرائيل في تحويل التأخير إلى احتلال مفتوح؟




