الدولة العميقة في لبنان

الدولة العميقة ليست أمنية فقط

يوليو 23, 2026
الموجز الإعلامي اليومي

من واشنطن إلى زوطر الغربية… لبنان أمام امتحان التنفيذ

يوليو 24, 2026
الدولة العميقة في لبنان

الدولة العميقة ليست أمنية فقط

يوليو 23, 2026
الموجز الإعلامي اليومي

من واشنطن إلى زوطر الغربية… لبنان أمام امتحان التنفيذ

يوليو 24, 2026

الذريعة الحقيقية: السلاح الإيراني في لبنان لا إسرائيل

ما زال البعض، وللأسف، يردد المعزوفة نفسها منذ أكثر من ثلاثة عقود: أزيلوا الذريعة أولاً، يُزَل السلاح لاحقاً. وكأن التجارب التي عاشها اللبنانيون منذ عام 1990، مروراً بعام 2000، ثم 2005 و2006، وصولاً إلى حرب الإسناد وما تلاها، لم تكن كافية لإسقاط هذه المقولة نهائياً.

ففي عام 2000 انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان من دون قيد أو شرط. فهل سلّم الحزب الإيراني سلاحه؟ على العكس تماماً، اخترع ذريعة جديدة عنوانها “مزارع شبعا”، وحوّلها إلى مبرر دائم للإبقاء على ترسانته وتعزيزها.

وفي عام 2006 استدرج الحزب إسرائيل إلى حرب مدمرة دفع اللبنانيون وحدهم ثمنها. وعندما انسحبت إسرائيل مجدداً، هل انتهت الحاجة إلى السلاح؟ الجواب معروف. لم يُسلَّم السلاح، بل تضاعفت الترسانة، وتعاظم نفوذ الدويلة على حساب الدولة.
ثم جاءت حرب الإسناد، فجُرَّ لبنان مرة جديدة إلى مواجهة لا علاقة له بها، خدمةً للمشروع الإيراني. ولم تكن النتيجة سوى مزيد من الدمار والاحتلال والخسائر.

ورغم كل هذه الوقائع، ما زال البعض يتحدث عن ضرورة خروج إسرائيل من لبنان قبل البحث في سلاح الحزب. والمفارقة أن هذا ليس سوى المطلب الذي يرفعه الحزب نفسه. فقد أعاد الحزب الإيراني، في بيان كتلته النيابية، التأكيد أنه لن يبحث في سلاحه قبل الانسحاب الإسرائيلي، معيداً إحياء ما يسمى “الاستراتيجية الدفاعية”، وهي العبارة التي استُخدمت سنوات طويلة لتأجيل الحل لا لإيجاده.
لكن الحقيقة أوضح من أن تُخفى. فالحزب لا يريد الانسحاب الإسرائيلي تمهيداً لتسليم سلاحه، بل يريده ليعيد بناء قوته العسكرية. وهذا ما اعترف به مسؤولون ونواب فيه عندما أكدوا أن اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 أتاح لهم فرصة إعادة ترميم قدراتهم. فكيف يمكن لمن سمع هذا الاعتراف، ولمن عاش تجربة ما بعد حرب تموز 2006، أن يصدق مجدداً أن الانسحاب الإسرائيلي سيؤدي إلى نزع السلاح؟
المشكلة ليست في الذريعة، بل في المشروع. فإسرائيل ليست سوى ذريعة يستخدمها هذا التنظيم، تماماً كما يحتفظ الحوثي في اليمن بسلاحه من دون وجود إسرائيلي، ويحتفظ “الحشد الشعبي” في العراق بسلاحه من دون وجود إسرائيلي. فالمشروع واحد، والسلاح جزء من منظومة إيرانية تخريبية عابرة للدول والدساتير، وليس رداً على احتلال أو نزاع حدودي.

لذلك، فإن من يتحدث اليوم عن إزالة الذريعة قبل إزالة السلاح يقلب الوقائع رأساً على عقب. فالذريعة الحقيقية التي تستجلب إسرائيل إلى لبنان ليست وجود إسرائيل، بل وجود السلاح الإيراني نفسه. فلولا هذا السلاح لما اندلعت حرب عام 2006، ولما دخلت إسرائيل مجدداً بعد حرب الإسناد، ولما بقي الجنوب ساحة مفتوحة للصراعات.

الذريعة التي يجب إزالتها هي السلاح الإيراني، لأنه هو الذي يستدعي التدخل الإسرائيلي، ويمنع قيام الدولة، ويجعل لبنان ساحة لحروب الآخرين. أما القول إن إسرائيل يجب أن تنسحب أولاً، فهو تكرار للوصفة نفسها التي أثبتت فشلها مراراً، وأبقت اللبنانيين أسرى دورة لا تنتهي من الحروب والدمار.
أما الجديد اليوم، فهو أن إسرائيل نفسها لم تعد تصدق وعود الحزب. لقد وصلت إلى قناعة بأن هذا التنظيم لن يتخلى عن سلاحه طوعاً، ولذلك تربط أي انسحاب كامل بتحقق نزع هذا السلاح فعلياً. وفي المقابل، بات المجتمع الدولي أكثر اقتناعاً بأن الدولة اللبنانية، ما لم تفرض سيادتها وتنفذ قراراتها بحل التنظيمات المسلحة وحصر السلاح بيد الجيش، ستبقى عاجزة عن استعادة سلطتها.

لهذا، فإن النقاش الحقيقي لا يجب أن يكون حول إزالة الذريعة المتمثلة بالوجود الإسرائيلي تمهيداً لإزالة السلاح الإيراني، بل حول إزالة السلاح الإيراني أولاً، لأنه هو الذريعة الحقيقية للدخول الإسرائيلي إلى لبنان، وهو سبب انهيار الدولة، والعقبة الأساسية أمام أي استقرار أو سيادة أو نهوض.
الأولوية التي لا تعلو عليها أولوية تكمن في تنفيذ الدستور وقرارات الحكومة بحل التنظيم الإيراني في لبنان ونزع سلاحه بالقوة. عندها فقط يصبح الانسحاب الإسرائيلي نتيجة طبيعية، لأن المطلوب، قبل أي شيء آخر، إزالة السبب الذي استجلب إسرائيل إلى لبنان، أي الحزب الإيراني، لا المطالبة بخروج إسرائيل مع الإبقاء على السبب الذي استجلب دخولها، والذي سيستجلبها مجدداً ما دام سلاحه قائماً.

ومن المؤسف أن البعض لم يتعلم ولم يتعظ من أن الحزب الإيراني لا يريد سوى الإبقاء على سلاحه، ولم يدرك أنه يحاول استغلاله من أجل أن يُقنع المجتمع الدولي بضرورة تحقيق الانسحاب الإسرائيلي كون الحزب الإيراني يعجز عن فرضه بالقوة. فيما المطلوب من هذا البعض إما أن يعطي مهلة نهائية لاحتكار الدولة للسلاح، وإما تحييد نفسه عن هذه المواجهة، حتى لا يتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى غطاء سياسي للسلاح الإيراني الذي دمّر لبنان.

إن المشكلة، كل المشكلة، تكمن في الحزب الإيراني في لبنان. فهو الذريعة الحقيقية التي يجب إزالتها لتجنيب لبنان الحروب والتدخلات الإسرائيلية، ولإعادة بناء دولة فعلية وطبيعية.