
بالفيديو: ريفي تحالفنا مع “القوات” هو جزء من تحالف وطني أشمل
يوليو 22, 2026
دعسة ناقصة للرئيس
يوليو 23, 2026شارل جبّور
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، شعر اللبنانيون مع انتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون وتكليف الرئيس نواف سلام بأن الدولة عادت لتصبح مشروعاً ممكناً. استعادت الغالبية ثقتها بفكرة الدولة بعدما أنهكها مشروع الدويلة، وبعدما يئست من واقعٍ حوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة للحروب والفوضى والانهيار والموت. اعتقد اللبنانيون أن زمن الدولة العاجزة قد انتهى، وأن السلطة الجديدة ستباشر أولى بديهيات وجودها: احتكار السلاح وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
لكن سرعان ما بدأت علامات الإحباط تتسلل إلى النفوس. عاد الحديث عن “إعطاء الفرص”، وعن “بيئة مجروحة” تحتاج إلى الطمأنة، وكأن بقية اللبنانيين لم يكونوا البيئة الأكثر جراحاً على مدى أكثر من ثلاثة عقود. فمن دفع أثمان الاغتيالات والخطف والاعتقال والإبعاد والتعذيب والقمع، فقط لأنه تمسك بالدولة والدستور، هو أيضاً بيئة مجروحة، بل ربما الأكثر جراحاً. أما البيئة التي يُطلب اليوم طمأنتها، فهي البيئة التي احتضنت مشروعاً خارج الدولة، مشروعاً ارتبط بإيران، واستجلب الحروب والعزلة والانهيار، وانقلب على الدستور ومؤسسات الجمهورية.
ورغم ذلك، فإن اللبنانيين بطبيعتهم لا يفقدون الأمل سريعاً. عادوا ومنحوا السلطة فرصة إضافية، خصوصاً بعدما تكشفت حقيقة الفريق الإيراني في لبنان أمام الجميع، وبعدما أصبحت الوقائع أوضح من أي وقت مضى. لكن المشكلة تكمن في أن أكبر خطأ يمكن أن يُرتكب هو الاستمرار في إعطاء هذا المشروع فرصاً جديدة.
لقد جُرّبت سياسة الاحتواء منذ عام 2005 بعد خروج الجيش الأسدي، يوم اعتقد البعض أن بالإمكان “لبننة” الحزب الإيراني. كان ذلك الرهان مفهوماً في حينه، لكنه سقط مع التجربة. كان يفترض أن يتعلم الجميع أن هذا الحزب ليس حزباً لبنانياً يمكن استيعابه أو إدماجه في منطق الدولة، بل هو جزء عضوي من المشروع الإيراني، في نشأته وأيديولوجيته وعقيدته وأهدافه وقراره السياسي والعسكري. ومن يقرأ هذا المشروع بموضوعية يدرك أنه لا يتغير بالحوار، ولا يتخلى عن سلاحه بالاستيعاب، ولا يبدل هويته بتقديم التنازلات له.
واليوم، وبعد كل ما جرى في لبنان والمنطقة، لم يعد هناك أي مبرر لتكرار التجارب الفاشلة. لم يعد مقبولاً الحديث عن معالجة اقتصادية تسبق معالجة السلاح، أو عن انسحاب إسرائيلي قبل إنهاء واقع السلاح الإيراني، أو عن إزالة الذرائع وكأن السلاح كان يوماً نتيجة هذه الذرائع. لقد أثبتت التجربة أن كل هذه المقاربات لا تقود إلا إلى نتيجة واحدة: منح المشروع الإيراني الوقت والأوكسيجين ليستعيد أنفاسه ويعيد إنتاج نفسه.
من حق اللبنانيين أن يسمعوا الحقيقة من دولتهم. إما أن الدولة قادرة على فرض سلطتها وتطبيق الدستور والقرارات التي اتخذتها الآن وليس غداً، وإما أنها عاجزة عن ذلك. أما الاستمرار في سياسة المراوحة، فهو لا يعني سوى إطالة عمر الأزمة وإعادة إنتاجها.
لقد أعطت الدولة ما يكفي وأكثر من الفرص. وكل فرصة إضافية لم تعد فرصة للدولة، بل فرصة للمشروع الإيراني كي يلتقط أنفاسه، ويعيد تنظيم صفوفه، وينقلب مجدداً على كل التحولات التي شهدها لبنان والمنطقة.
بعد زيارة واشنطن، ارتفعت آمال اللبنانيين من جديد. وهم اليوم لا يريدون خطابات ولا وعوداً ولا تبريرات. يريدون أفعالاً حاسمة وسريعة تنهي الحالة الشاذة التي يعيشها لبنان منذ عام 1990، وتعيد للدولة وحدها حق القرار والسلاح والسيادة.
حذاري… حذاري من إحباط اللبنانيين مجدداً. فالإحباط هذه المرة لن يكون مجرد خيبة أمل، بل سيكون ضربة قاسية لما تبقى من ثقة الناس بدولتهم، وهي الثقة التي لا يجوز التفريط بها مرة أخرى، وستكون الأخيرة هذه المرة.




