
ما الذي يجمع بين بري وجنبلاط؟
يوليو 12, 2026
عندما يعلن الحزب الإيراني الحرب على رئاسة الجمهورية.. آن أوان الحظر السياسي
يوليو 13, 2026تدور في لبنان اليوم مواجهة مفصلية مع المشروع الإيراني، لكنها ليست مواجهة عسكرية فحسب، ولا تقتصر على مسألة سلاح غير شرعي، بل تمتد إلى ثلاثة أبعاد متكاملة: عسكري-أمني وسياسي-سلطوي وثقافي ـ تاريخي. ولن يكتمل بناء الدولة ما لم تُحسم هذه الأبعاد الثلاثة معًا.
البعد الأول هو إنهاء المشروع المسلح الذي فُرض على اللبنانيين بقوة الأمر الواقع منذ مرحلة الوصاية الأسدية. فقد جرى عملياً تعطيل اتفاق الطائف، وتحويله إلى اتفاق انتقائي، مع احتفاظ “الحزب الإيراني” بسلاحه تحت المظلة الأسدية، بعدما وضع نظام حافظ الأسد يده على لبنان. ومنذ ذلك الحين، عاش اللبنانيون في ظل ازدواجية قاتلة: دولة شكلية من جهة، ودويلة مسلحة من جهة أخرى. وكانت النتيجة انهيار المؤسسات، وتعطيل الحياة السياسية، واستدراج الحروب، وتدمير الاقتصاد، وسقوط آلاف الضحايا. فلا دولة يمكن أن تقوم بوجود جيشين، ولا سيادة يمكن أن تستقيم بوجود قرارين. ومن هنا، فإن المدخل الطبيعي لإنقاذ لبنان يبقى احتكار الدولة وحدها للسلاح.
أما البعد الثاني فهو البعد السياسي. وللمرة الأولى منذ خروج جيش الأسد عام 2005، تقوم في لبنان سلطة سياسية تضم رئيسًا للجمهورية، ورئيسًا للحكومة، وأكثرية وزارية تتبنى بصورة واضحة مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. ففي السابق، كان الحزب يختبئ خلف مؤسسات الدولة، ويستخدمها لتوفير الغطاء السياسي لسلاحه. أما اليوم، فهو يخوض معركة الدفاع عن مشروعه المسلح في مواجهة دولة ترفض مخالفة الدستور بتوفير الغطاء له. وهذا التحول يمثل نقطة مفصلية في الحياة السياسية اللبنانية، لأنه ينقل الصراع من مواجهة بين فريقين سياسيين إلى مواجهة بين مشروع الدولة ومشروع الدويلة.
ويبقى البعد الثالث، وهو الأكثر عمقًا والأطول أثرًا، البعد الثقافي والتاريخي. فهذا المشروع لم يكتفِ بفرض سلاحه، بل سعى طوال عقود إلى إعادة كتابة تاريخ لبنان، وتغيير وعي اللبنانيين، وتبديل معاييرهم في تحديد من هو العدو ومن هو الصديق. فجرى تقديم كل مشروع إقليمي يستهدف لبنان على أنه مشروع “مقاومة”، فيما صُوِّرت الدولة اللبنانية وكأنها المشكلة، لا السلاح الخارج عنها.
إن إعادة تصحيح السردية الوطنية أصبحت اليوم ضرورة لا تقل أهمية عن نزع السلاح. فالعدو الحقيقي هو كل من يمنع قيام الدولة الحقيقية، وكل من يمنع احتكار الدولة للسلاح، وكل من حوّل ويحوّل لبنان إلى ساحة لحروب الأسد والخامنئي، وكل من يربطه بمشاريع محور الممانعة على حساب مصالح الشعب اللبناني. ومن هذا المنطلق، كان النظام السوري في عهد حافظ الأسد مشروعاً معادياً لسيادة لبنان، كما أن المشروع الإيراني القائم على تصدير الثورة وإقامة الأذرع المسلحة هو مشروع معادٍ للدولة اللبنانية.
وفي المقابل، لا يمكن الاستمرار في قراءة العلاقة مع إسرائيل بعقلية الشعارات التي فرضتها الأنظمة والأيديولوجيات. فالوقائع التاريخية تشير إلى أن الدولة اللبنانية لم تدخل حرباً مباشرة مع إسرائيل بقرارها الوطني، وأن اتفاقية الهدنة بقيت قائمة إلى أن تحوّل لبنان، بفعل المنظمات غير الشرعية أولاً، ثم الوصاية الأسدية، ولاحقاً المشروع الإيراني، إلى منصة لاستهداف إسرائيل، فكان الرد الإسرائيلي نتيجة لهذا الواقع، لا سبباً له.
لقد جرى تحويل لبنان إلى “فتح لاند”، ثم إلى “أسد لاند”، ثم إلى “خامنئي لاند”، فيما دفع اللبنانيون وحدهم ثمن هذه الخيارات التي لم يقرروها. لذلك، فإن إنهاء حالة العداء مع إسرائيل ليس تنازلاً عن السيادة، بل جزء من استعادة القرار الوطني اللبناني، بعدما جرى اختطافه لعقود خدمةً لمشاريع لا علاقة لها بمصلحة لبنان وشعبه.
إن معركة استعادة الدولة ليست معركة السلاح فقط، وليست معركة السلطة فقط، بل هي أيضًا معركة الذاكرة والوعي والسردية الوطنية. فلا يكفي أن يُنزع السلاح إذا بقيت الثقافة التي برّرته، ولا يكفي أن تتغير موازين القوى إذا بقي التاريخ مزورًا، والحقائق مشوّهة.
ولهذا، فإن الانتصار الحقيقي يبدأ يوم يستعيد اللبنانيون حقهم في رواية تاريخهم كما هو، وفي تعريف عدوهم انطلاقاً من مصلحة لبنان وحدها، لا من شعارات عابرة للحدود، ولا من مشاريع إقليمية جعلت وطنهم ساحةً للحروب بدل أن يكون وطناً للحياة.




