جعجع: لبنان أمام مرحلة جديدة

يوليو 11, 2026

جعجع: لبنان أمام مرحلة جديدة

يوليو 11, 2026

اتفاق الإطار يُقرأ سياسياً لا تقنياً

يرتكب كثيرون الخطأ نفسه في مقاربة الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل. يغرقون في التفاصيل التقنية، ويتوقفون عند العبارات والصياغات، ويتعاملون معه وكأنه معاهدة سلام أو اتفاق لترسيم الحدود، فيما يغيب عنهم أن الاتفاق، في جوهره، اتفاق سياسي بامتياز، ولا يمكن فهمه إلا من خلال أهدافه السياسية.

القول إن الاتفاق جاء لمصلحة إسرائيل لأنها موجودة عسكريًا في جنوب الليطاني، هو قراءة مجتزأة. والقول إن بعض بنوده تعكس ضعفًا أو تقصيراً من الوفد اللبناني، هو كلام مرفوض وغير صحيح. فلا أحد يستطيع أن يزايد على خبرة السفير السابق سيمون كرم، ولا على كفاءة السفيرة ندى معوض، ولا على احترافية الفريق الذي شارك في إعداد النص وصياغته. أما الحملات التي تُشن على الوفد، فليست سوى مزايدات شعبوية ووطنجية فارغة، هدفها تسجيل نقاط سياسية لا أكثر.

والأخطر من ذلك هو الإصرار على التعامل مع الاتفاق الإطاري وكأنه معاهدة سلام. فهو ليس كذلك، ولم يُكتب ليكون كذلك. إنه إطار سياسي وأمني لمعالجة أصل الأزمة التي تحول منذ عقود دون أي استقرار على الحدود، أي سلاح الحزب الإيراني. أما السلام فله ظروفه ومساره المختلف تمامًا.

من هنا، فإن المرجعية الوحيدة لفهم الاتفاق ليست القراءة التقنية، بل القراءة السياسية. وهذا تمامًا ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو عندما اختصر المشهد بحقيقة واضحة: لبنان وإسرائيل يواجهان المشكلة نفسها. اسم هذه المشكلة حزب الله.

هذه هي النقطة التي يتجاهلها أصحاب القراءات التقنية والأيديولوجية. فلبنان لا يجلس مع إسرائيل لأن جيشها يسيطر على جنوب الليطاني، وإسرائيل لا تجلس مع لبنان لأنه هُزم عسكريًا في مواجهتها. كلاهما يجلس لمعالجة مصدر تهديد واحد. بالنسبة إلى لبنان، يمنع الحزب الإيراني قيام الدولة وبسط سيادتها واحتكارها للسلاح. وبالنسبة إلى إسرائيل، يمنع قيام حدود آمنة ومستقرة. المشكلة واحدة، والمطلوب معالجتها.

لهذا السبب، فإن الاتفاق الإطاري لا يُقرأ من زاوية من ربح بندًا ومن خسر عبارة، ولا من زاوية من تنازل ومن تشدد. يُقرأ من زاوية واحدة فقط: للمرة الثانية، يلتقي لبنان وإسرائيل على توصيف المشكلة نفسها، وعلى السعي إلى إنهاء نتائج المشروع الإيراني الذي حوّل لبنان إلى منصة لحروبه التوسعية والتدميرية، وإلى ورقة تفاوض تستخدمها طهران كلما اقتضت مصالحها.

لقد دفعت إيران لبنان إلى الانهيار، وجرّت اللبنانيين إلى حروب لا علاقة لهم بها، ومنعت قيام دولة طبيعية، سيدة، مستقلة، ومزدهرة. كما فرضت على الإسرائيليين واقعًا أمنياً قائماً على التهديد الدائم. لذلك، فإن جوهر الاتفاق ليس إعادة رسم الحدود، بل إعادة رسم الأولويات: إنهاء السلاح الإيراني الخارج عن الدولة اللبنانية، وإنهاء المشروع الإيراني الذي صادر القرار اللبناني.

أما كل ما عدا ذلك، فليس سوى ضجيج سياسي، أو قراءة تقنية مبتورة، أو خطاب أيديولوجي يرفض الاعتراف بأن أصل المشكلة لم يكن يوماً بين لبنان وإسرائيل، بل كان ولا يزال المشروع الإيراني الذي احتل القرار اللبناني وحوّل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة.