أُقيّم الفنان بفنّه… لا بمواقفه السياسية

شارل جبّور
شاركت أمس في برنامج «كل القصة» على محطة MTV، الذي تقدّمه الإعلامية أنابيل هلال، بمشاركة مجموعة من الإعلاميات المميّزات والمتألقات، والمتخصصات في مجالات مختلفة. وهو برنامج يستحق التوقف عند تجربته، لأنه ينجح في الجمع بين القضايا الاجتماعية والسياسية وسائر المسائل التي تهم الناس، ومعالجتها بأسلوب علمي وحواري، من دون أن يشعر المشاهد بأنه أمام برنامج سياسي بالمعنى التقليدي. وهنا تحديداً تكمن أهمية هذا البرنامج.
ولا شك أن المشاركة في حوار تحيط بك فيه ست إعلاميات جميلات تشكّل تجربة مميزة وتحدياً في الوقت نفسه، فضلاً عن أن البرنامج مباشر، والوقت المتاح للإجابة محدود، فيما تستدعي بعض الأفكار التوقف عندها والتوسع في شرحها، وهو ما لا يسمح به إيقاع الحوار.
لكن ما استوقفني في الحلقة، وأردت التوسع فيه ولم تسعفني مساحة الوقت، هو السؤال المتعلق بالمفاضلة بين جوليا بطرس وفضل شاكر. وهو سؤال أتاح لي التعبير عن مقاربة أعتبرها أساسية في نظرتي إلى الفن والفنانين، وتقوم على مبدأ بسيط: أنا أقيّم الفنان بفنّه، لا بمواقفه السياسية.
بالنسبة إليّ، أتعامل مع الفنان من خلال الأغنية التي يقدمها. هناك أغنيات لجوليا بطرس أحبها، وأخرى لا تعنيني، وهناك أغنيات لفضل شاكر أحبها، وأخرى لا تعنيني. وهذا ينطبق على كل الفنانين، من دون استثناء. فلا يوجد في قاموسي فنان أسمع جميع أغانيه لمجرد أنه فنان مفضّل لديّ، ولا يوجد فنان أقاطع جميع أغانيه لأن بعضها لا يعجبني أو لأن موقفه السياسي لا يعجبني. أنا أختار من كل فنان ما يلامس ذائقتي ويعجبني.
وهل هناك أعظم من فيروز، التي أستمع إلى أغانيها يومياً؟ ومع ذلك، هناك أغنيات لها لا أستمع إليها. فكيف يمكن أن تكون المفاضلة بين الفنانين معياراً ثابتاً، فيما المعيار الحقيقي بالنسبة إليّ هو العمل الفني نفسه؟
لكن المسألة تتجاوز الذائقة الفنية إلى مبدأ أعمق، وهو ضرورة الفصل بين الفنان ومواقفه السياسية. لكل فنان الحق في أن يكون له موقف سياسي، وأن يعبّر عنه، وأن ينحاز إلى الجهة التي يقتنع بها. فهذا حقه بوصفه مواطناً وإنساناً، تماماً كما أن لي حقي في الاختلاف معه. لكن هذا الاختلاف لا يعني أن أحاكمه فنياً على أساس موقفه السياسي، أو أن أقاطع أعماله بسبب خياراته السياسية.
أنا، مثلاً، لا ألتقي إطلاقاً مع زياد الرحباني في مواقفه السياسية، لكن ذلك لا يمنعني من الإقرار بأنه مبدع واستثنائي. وأعشق أغنيات ملحم بركات، ولا يغيّر من ذلك أنه غنّى للرئيس السابق إميل لحود. فهذا خياره، ولا أرى أن من حقي أن أحاكمه فنياً بسببه، أو أن أتوقف عن سماع أغنياته لهذا السبب، فأكون قد عاقبت نفسي لا إياه. كما أن سعيد عقل من أعظم الشعراء بالنسبة إليّ، ولا يجعلني ذهابه إلى قصر الشعب في عهد ميشال عون أتراجع عن تقديري لقامته الشعرية والأدبية. بل إنني أعشق سعيد عقل، وأعتبر أن خطوة هذا الكبير من بلادي بزيارة ما سُمّي قصر الشعب كانت صغيرة جداً، لكن ذلك لا يبدّل بتاتاً من إعجابي به وبشعره واستثنائيته. قد تكون لي ملاحظة على تلك الخطوة، لكنها لا تلغي مكانته الإبداعية.
والأمر نفسه ينطبق على جوليا بطرس. غناؤها لما يُسمّى «المقاومة» في مرحلة معينة لم يشكّل بالنسبة إليّ سبباً لمقاطعتها أو التقليل من قيمتها الفنية. أنا أقدّر كثيراً صوتها وتراثها، وأحب عدداً كبيراً من أغانيها التي ترافقني في يومياتي، ولا أرى تناقضاً بين هذا التقدير وبين اختلافي معها في هذه الأغنية بالذات، التي أستمع إليها وأعتبر أنها تغنّي للمقاومة المسيحية لا الإسلامية.
وبالمقابل، إذا كان هناك فنان يتقاطع مع مواقفي السياسية، كما هي الحال مع إليسا مثلاً، فهذا قد يجعلني أكثر تقديراً له، لكنه لا يعني أنني سأحب جميع أغانيه أو أستمع إليه دون غيره من الفنانين. أختار من أغانيه ما يعجبني، تماماً كما أفعل مع أي فنان آخر.
ومن هنا، فإن اختياري بين فضل شاكر وجوليا بطرس خلال الحلقة لم يكن مفاضلة فنية شاملة بين فنانين، ولا حكماً على مسيرة أحدهما. كان موقفاً تضامنياً مع فضل شاكر، انطلاقاً من قناعتي بأنه تعرّض لظلم كبير في مسألة توقيفه واعتقاله. لكن هذا الموقف لا يعني أنني أقاطع جوليا بطرس، أو لا أستمع إلى أغانيها، أو لا أستمع إلا إلى أغاني فضل شاكر. فالمفاضلة هنا كانت سياسية ومقصودة، انطلاقاً من الظلم والمظلومية اللذين تعرّض لهما فضل شاكر، لا من تقييم فني لأعمال الفنانين. ولا أضع الموقف السياسي لأي فنان معياراً لتقييمي أعماله أو لمتابعتي الفنية له.
في المحصلة، للفنان كامل الحق في خياراته ومواقفه السياسية، ولي كامل الحق في الاختلاف معه. لكن هذا الاختلاف السياسي لم يتحوّل يوماً إلى مقاطعة لأعماله، ولم يكن الانتماء السياسي يوماً شرطاً للاستمتاع بالإبداع أو الاعتراف بقيمته.
الفنان فنان، والسياسة شأن آخر. أنا أختار من كل فنان ما يعجبني، وأترك ما لا يعجبني، من دون مقاطعة أو إلغاء أو محاكمة فنية على خلفية سياسية.