الأرض والوجود المسيحي… قوة المؤسسات ومأزق الاستمرارية

جوزيف بوهيا

لم تعد الأخبار عن بيع أراضٍ في المتن، جبيل والبترون وسواها شأناً عقارياً محضاً؛ فقد باتت، في بعض الأوساط المسيحية، مدخلاً إلى سؤال أوسع عن استمرارية الحضور ومستقبله. ففي 15 تشرين الأول، تقدّم النائب رازي الحاج بإخبار للتحقق من معلومات عن شراء أكثر من 83 عقاراً في المتن الشمالي ومصادر تمويلها. الإخبار ليس حكماً بوجود مخطط، لكنه أعاد طرح سؤال يتجاوز هوية المشتري: هل يمتلك المسيحيون القدرة على التأثير في مستقبل حضورهم، أم تتحرك التحولات الاقتصادية والسكانية أسرع من مؤسساتهم؟ هنا تكمن حساسية القلق: الخوف لا يتعلق بما فُقد فقط، بل بما قد يتعذر استعادته بعد جيل.

 

تفسّر الذاكرة الجماعية بعض هذه الحساسية. فالأرض في التجربة المسيحية اللبنانية ارتبطت بالقرية والمدرسة والكنيسة وشبكات الحماية والحرية، ثم جاءت الحروب والتهجير والهجرة لتجعل أي تبدل جديد قابلاً للقراءة عبر خسارات سابقة. وقد أظهرت دراسة عن مهجّري الجبل المسيحيين أن نحو خُمس الأسر المشمولة عاد للإقامة الدائمة بعد قرابة عقدين من الحرب، رغم استعادة حقوق الملكية وتراجع العنف. ليست تجربة الأمس نبوءة عن الغد، لكنها تذكّر بأن استعادة الأرض قانونياً لا تعني بالضرورة استعادة الحياة فوقها.

 

ويتضاعف القلق حين تضعف «الفاعلية الجماعية المدركة»: اعتقاد الناس بأن مؤسساتهم تستطيع فهم الخطر والتصرف حياله. عندها يصبح سؤال «من يشتري؟» متصلاً بسؤال أشد إلحاحاً: «من يتابع؟ ومن يملك خطة؟». وليس هذا توصيفاً نفسياً لجميع المسيحيين، بل محاولة لقراءة شعور عبّر عنه بعضهم. فالمشكلة لا تنشأ من ذاكرة الخسارة وحدها، بل من الفجوة بين الإنذار والقدرة المنظمة على الاستجابة.

 

ويزيد النزوح من الجنوب تعقيد هذه الصورة. ففي نهاية أيلول، أحصت المنظمة الدولية للهجرة نحو 330 ألف نازح داخل لبنان. تبدأ الإقامة الجديدة ضرورة أمنية، ثم يدخل الأطفال مدارسها ويبحث الأهل فيها عن عمل. وكلما تأخرت العودة والإعمار، ازدادت احتمالات أن تتحول ترتيبات موقتة إلى استقرار أطول. ولا يعني ذلك أن النازحين يرغبون في اقتلاع أنفسهم، بل أن الزمن قد يبدل الخيارات المتاحة لهم. والمسيحيون في القرى الجنوبية المتضررة يواجهون هذا الاحتمال أيضاً، فلا يصح وضع النازحين في مواجهة مجتمع يخشى على أرضه.

 

وتتصل العودة بمأزق أمني لا يمكن تجاهله. فإسرائيل تربط انسحابها بإزالة تهديد سلاح حزب الله، فيما يربط الحزب النقاش في سلاحه بالانسحاب الإسرائيلي. يوفر استمرار السلاح خارج الدولة لإسرائيل حجة معلنة لإطالة انتشارها العسكري، من دون أن يبرر احتلالها أو يلغي مسؤوليتها المستقلة عن قراراتها واعتداءاتها. وفي المقابل، يبقى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية شرطاً لاستعادة الاستقرار. ومع اقتراب انتهاء ولاية اليونيفيل بنهاية 2026 وبدء انسحابها المنظم، يصبح الوقت عاملاً يهدد فرص العودة إذا لم تتقدم المعالجة السياسية والأمنية.

 

هنا ينشأ سؤال مسيحي مشروع عن تزامن نزوح داخلي طويل الأمد مع استمرار هجرة شبابية وبيع ممتلكات موروثة. لكن التزامن لا يثبت وجود مشروع ديموغرافي منظم، ولا توجد بيانات موثوقة تثبت انتقال النازحين بصورة دائمة إلى المتن والبترون ارتباطاً بصفقات الشراء المتداولة. فانتقال ملكية الأرض، وتغير مكان الإقامة، وتبدل النفوذ السياسي ثلاثة مسارات مختلفة؛ وما يستدعي الدراسة هو احتمال تفاعلها مستقبلاً، لا إعلان نتائجها قبل وقوعها.

 

ولفهم المخاوف، يمكن المقارنة بين بعض أنماط التكيف مع ضعف الدولة، لا بين طبائع طائفية ثابتة. ففي قطاعات شيعية ارتبطت بأحزاب وشبكات خدمات وتعبئة، ولا سيما في بيئة حزب الله، اكتسب التنظيم الجماعي موقعاً محورياً في مواجهة الأزمات. وفي أوساط مسيحية ساعد التعليم والانتشار والفرص الخارجية عائلات كثيرة على توسيع خياراتها الفردية. غير أن الانتماء السياسي والطبقة والمنطقة والجيل تصنع فروقاً داخل كل مجتمع؛ فلا الشيعة كتلة تنظيمية واحدة، ولا المسيحيون أفراد منفصلون عن مؤسساتهم. وقد كشفت الحرب حدود الحماية التنظيمية، مثلما تكشف الهجرة كلفة نجاح الفرد حين ينقطع أثره عن بلدته.

 

والتباين الأهم ليس بين مجتمع «متماسك» وآخر «مفكك»، بل بين أشكال مختلفة من الاعتماد على المؤسسات. فالشبكة المنظمة تستطيع حشد مواردها بسرعة، لكنها قد تضع مصير أفرادها تحت وطأة قرار مركزي ذي كلفة جماعية عالية. أما شبكة العلاقات العابرة للحدود فتمنح الأفراد بدائل أكثر، لكنها لا تضمن توجيه جزء من نجاحهم إلى مناطق المنشأ. وهكذا قد تتجاور مناعة الفرد وهشاشة المكان، أو قوة التنظيم وهشاشة المجتمع الذي يفترض أن يحميه.

 

هنا يظهر ما يمكن تسميته «فجوة التجدد المجتمعي»: المسافة بين قدرة مجتمع على تعليم أبنائه وتأمين فرص نجاحهم، وقدرته على تحويل هذه الطاقات إلى عمل وسكن واستمرارية داخل مناطقه. إنه إطار تحليلي يحتاج إلى قياس، لا حقيقة إحصائية تثبت أن المسيحيين هم الأكثر تراجعاً بين اللبنانيين. فلا إحصاء سكاني حديث يجيز ترتيب الطوائف بحسب الهشاشة، ولا تكفي أخبار البيع لقياس مستقبل الحضور. المؤشرات الأجدى هي أعمار المقيمين، واتجاهات الهجرة، وعدد الأسر الشابة، ووظائف الاقتصاد المحلي، واستمرار المدارس، واستخدام العقارات بعد انتقال ملكيتها.

 

وعليه، ليست «الخاصرة الرخوة» حكماً بأن المسيحيين أضعف سواهم، بل سؤالاً عن خلل محتمل بين وفرة الموارد وضعف تحويلها إلى نتائج جماعية. فالكنيسة والأبرشيات والرهبانيات والجامعات والمستشفيات والبلديات والانتشار مصادر قوة حقيقية، لكن تعددها لا يشكل وحده استراتيجية. والمشكلة لا تختصرها المنافسة السياسية؛ بل تظهر عندما لا تتصل القدرات المتاحة بخطة طويلة الأمد مشتركة، تحدد المسؤوليات والتمويل والأهداف القابلة للقياس، مع احترام التعددية واختلاف حاجات القرى.

 

وهنا تتقدم مسؤولية المؤسسات المسيحية مجتمعة، السياسية والكنسية والاقتصادية، في تحويل مواردها المتفرقة إلى رؤية طويلة الأمد. وللكنيسة دور محوري بحكم حضورها التاريخي وشبكتها التربوية والاجتماعية الواسعة، ضمن شراكة لا تحمل جهة واحدة أعباء المستقبل. والمفارقة أن الرؤية ليست غائبة عن وثائقها؛ فقد طرح المجمع البطريركي الماروني بين 2003 و2006 تفعيل المجالس الاقتصادية الأبرشية، واستثمار إمكانات الأوقاف في فرص العمل، والتنسيق مع الانتشار، ودراسة أدوات عقارية وتمويلية. لذلك لا يبدأ السؤال من غياب الأفكار، بل من تقويم ما نُفّذ منها وأثره، وكيفية ربط المبادرات القائمة بخطط معلنة ونتائج قابلة للقياس. وفي المقابل، تُسأل القوى السياسية عن ترجمة تمثيلها إلى سياسات تنموية تتجاوز التنافس الانتخابي، والفاعليات الاقتصادية والانتشار عن تحويل الرساميل والخبرات إلى استثمارات منتجة. فالمطلوب تفعيل المؤسسات القائمة وتكامل أدوارها، لا تكثير الهياكل أو تحميل مؤسسة واحدة مسؤولية تتجاوز صلاحياتها.

 

فالكنيسة لا تستطيع أن تحل محل الدولة أو أن تمنع العائلات من التصرف بملكيتها. لكنها تستطيع، بالشراكة مع البلديات والمؤسسات الاقتصادية والمغتربين، أن تساعد في إنشاء آليات تمويل واستثمار وسكن ميسّر، تجعل الاحتفاظ بالأرض خياراً اقتصادياً ممكناً. ولا يجوز مطالبة أب بعدم البيع دفاعاً عن الهوية فيما يواجه وحده كلفة تعليم أولاده وعلاجهم. والحفاظ على الحضور لا يعني حظر البيع على أساس هوية المشتري، وإنما تعزيز قدرة أصحاب الأرض على الاختيار الحرّ من دون إكراه الحاجة، مع احترام حقوق جميع المواطنين. ما يكون نجاة عقلانية لعائلة قد يصبح، مع تكراره، تراجعاً في الحركة الاقتصادية والمدرسة والحضور الشاب؛ وهكذا يتحول الخوف إلى دافع للخروج، ثم يصبح الخروج سبباً لخوف جديد.

 

وتحتاج المعالجة إلى مرصد مستقل للملكية والسكان والاقتصاد المحلي، لا يصنّف حقوق المواطنين على أساس طائفي، بل يرصد الوقائع ويكشف الأنماط ويتيح إحالة شبهات التمويل إلى القضاء. وتحتاج إلى خطط متفاوتة: فالبترون السياحية ليست قرية حدودية مهددة، ولا بلدة جبلية يبيع ورثتها لأن أبناءها استقروا في الخارج. والاختبار ليس حجم الأموال التي تُجمع، بل عدد فرص العمل والأسر المقيمة والأراضي التي تحولت إلى مشاريع منتجة؛ فما لا يُقاس يبقى وعداً سياسياً أو كنسياً قابلاً للتكرار.

 

لكن أي تخطيط مسيحي سيبقى هشاً إذا ظلت الدولة عاجزة عن فرض أمنها، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية، وإنجاز إعادة الإعمار، وتهيئة عودة أهل الجنوب إلى بيوتهم. لا تُصان استمرارية مجتمع عبر الخوف من مواطن آخر، بل عبر حماية الحق المتساوي في السكن والعمل، وإنهاء الظروف التي تجعل النزوح والرحيل مفروضين. وهنا يصبح الوقت مسؤولية سياسية: كل سنة لا تُستعاد فيها شروط الحياة تعيد ترتيب خيارات العائلات على نحو قد يصعب عكسه.

 

ليست القضية إذاً أن يحافظ المسيحيون على ذاكرة الأرض فقط، بل أن يصلوا بين مؤسساتهم ومستقبل أبنائهم، وبين النجاح الفردي وإمكان التجدد في الداخل. قوة المجتمع لا تُختبر بقدر ما يملكه من مدارس ورساميل ومغتربين، بل بقدر ما يحوله منها إلى أسباب للبقاء. وحين يبقى التخطيط وثيقة، وتظل العودة رهينة السلاح والاحتلال، يصبح الزمن شريكاً في صناعة الخسارة. والمأزق الحقيقي ليس أن تختار عائلة الرحيل، بل أن تعجز مؤسسات المجتمع والدولة معاً عن جعل البقاء خياراً قابلاً للحياة.