الانسحاب الإسرائيلي قبل نزع السلاح: تواطؤ أم تكاذب؟

شارل جبّور
كشفت محادثات تامبا التي عُقدت في مقر القيادة المركزية الأميركية بين الوفدين العسكريين اللبناني والإسرائيلي أن محور النقاش تمحور حول تنفيذ الاتفاق الإطاري الثلاثي الذي جرى التوصل إليه في حزيران الماضي، والذي يربط بين نزع سلاح حزب الله، واستعادة السيادة اللبنانية، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي.
وبحسب المعلومات أصرّ الجانب اللبناني على إنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب السريع، فيما شدّد الجانب الإسرائيلي على ضرورة تقديم أدلة ملموسة على نزع سلاح حزب الله في مناطق تجريبية محددة.
لكن السؤال الذي لم يُطرح علناً، ويجب أن يكون في صلب النقاش، هو الآتي: هل يتعامل الوفد اللبناني مع المفاوضات باعتبارها مساراً جدياً لتنفيذ الاتفاق الإطاري، أم أنه يحاول تمرير الوقت، إدراكاً منه أن القرار السياسي بنزع سلاح حزب الله لم يُتخذ بعد، وأن المطلوب منه الاستمرار في المفاوضات تفادياً لإرسال إشارات سلبية إلى الولايات المتحدة الأميركية؟
وبمعزل عن هذا الاحتمال، يبقى السؤال الأهم: هل الوفد اللبناني مقتنع فعلاً بأن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية وتحقيق الانسحاب السريع، قبل نزع سلاح حزب الله؟
إذا كان مقتنعاً بذلك، فنحن أمام مشكلة سياسية خطيرة، لأن هذا الموقف يعني عملياً تبنّي سردية حزب الله، التي تريد الانسحاب الإسرائيلي أولاً، فيما يبقى سلاح الحزب خارج أي معالجة حاسمة. وهذا، في النتيجة، تواطؤ مع الحزب، بصرف النظر عن النيات المعلنة أو المبررات التي يمكن تقديمها.
فالدولة اللبنانية التي لم تتمكن، رغم الاختلال الكبير في موازين القوى لمصلحتها، من فرض سلطتها على حزب الله، رضخت لتهديداته وتراجعت أمام تلويحه بالحرب على خلفية إحالة ملف متفجرات ضهر البيدر إلى المجلس العدلي. فكيف سيكون وضعها بعد الانسحاب الإسرائيلي، إذا حصل الانسحاب من دون نزع سلاح الحزب؟
إذا كان الحزب قد استطاع فرض إرادته على الدولة فيما هو يعاني هزيمة عسكرية وحصاراً سياسياً وجغرافياً، فكيف ستتمكن الدولة من مواجهته عندما يستعيد أنفاسه، ويقدّم الانسحاب الإسرائيلي على أنه انتصار جديد للمقاومة المزعومة، ويعيد تسويق روايته بأنه صمد وانتصر، وأن إسرائيل انسحبت فيما سلاحه باقٍ؟
إن الانسحاب من دون نزع السلاح لا يعني مجرد إخفاق في تنفيذ الاتفاق الإطاري، بل يمنح الحزب فرصة لاستعادة معنوياته، وإعادة تثبيت معادلة السلاح فوق الدولة، وإبقاء لبنان رهينة مشروعه الإيراني التخريبي والإرهابي. وهذا ما يجعل ترتيب الأولويات مسألة مصيرية، لا مجرد تفصيل تفاوضي.
أما الاحتمال الثاني، فهو أن يكون الوفد اللبناني مدركاً أن إسرائيل لن تنسحب قبل نزع سلاح حزب الله، لكنه يصرّ على المطالبة بالانسحاب السريع لشراء الوقت، وتبريد الأجواء الداخلية، وتجنّب أي مواجهة مع الحزب. وفي هذه الحالة، لا يكون الموقف تعبيراً عن قناعة سياسية بقدر ما يكون امتداداً لسياسة التكاذب التي اعتادها لبنان، حيث يقول المسؤولون ما لا يعتقدونه، ويتجنبون اتخاذ القرارات التي يعرفون أنها مطلوبة، بانتظار تبدّل موازين القوى.
وهذه السياسة هي التي أوصلت لبنان إلى المآزق المتلاحقة. فبدلاً من أن تتخذ الدولة قرارها وتتحمل مسؤولية تنفيذه، تنتظر أن تتولى الحرب حسم ما تعجز هي عن حسمه، وكأن المطلوب أن تندلع المواجهة مجدداً حتى تجد السلطة نفسها مضطرة إلى اتخاذ القرار الذي كان يجب أن تتخذه مسبقاً.
صحيح أن الاتفاق الإطاري واضح في ربط نزع السلاح باستعادة السيادة والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، لكن الوضوح في النصوص لا يكفي إذا غابت الإرادة السياسية لتنفيذها. فالدولة التي لم تتمكن من فرض مسؤولياتها في ظل موازين القوى الحالية، لن تصبح أكثر قدرة على فرضها إذا انسحبت إسرائيل وبقي حزب الله مسلحاً.
والأخطر أن الصبر الأميركي على الوعود اللبنانية التي لا تُنفّذ بدأ ينفد، فيما المطلوب من الدولة واضح: بسط سلطتها على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء الوضع العسكري لحزب الله.
إن الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام يدركان أن انسحاب إسرائيل من دون نزع سلاح الحزب سيضع العهد والحكومة أمام مأزق بالغ الخطورة، لأن الحزب سيعتبر نفسه منتصراً، فيما ستبدو الدولة عاجزة عن تنفيذ قراراتها. لكن الرهان على أن إسرائيل لن تقبل بالانسحاب قبل نزع السلاح، أو على أن الحرب ستأتي لتحسم ما لم تحسمه الدولة، لا يمكن أن يشكّل سياسة وطنية ولا بديلاً من القرار.
لقد حان الوقت للخروج من سياسة الانتظار والمداهنة، والانتقال إلى خطة دولتية عملية تضع حداً للوضع العسكري لحزب الله، وتؤكد أن لبنان لا يمكن أن يستمر رهينة إرادة حزب إيراني يخالف مشروعه مصلحة الدولة واللبنانيين.
كما حان الوقت لإعادة النظر في مشاركة الحزب في الحكومة، وفي استمرار التعامل معه كأن سلاحه مسألة خلافية عادية، فيما هو يهدد الدولة ويمنعها من ممارسة صلاحياتها. وعلى الدولة أن تطبق القانون على كل من يهددها أو يعطّل قراراتها، من دون أن تجعل ردود الفعل المحتملة ذريعة للتراجع.
فالدولة لا تنتظر أن يوافق الخارجون على سلطتها على قراراتها، ولا تقيس شرعية قراراتها بردود الفعل التي قد تثيرها. الدولة تتخذ القرار، وتنفّذه، وتحاسب من يخرج على القانون.



