اليهود كانوا على صواب والموارنة على خطأ؟

شارل جبّور
يسود في الأوساط اللبنانية، والمسيحية خصوصًا، اعتقادٌ مفاده أنّ الموارنة كانوا على صواب عندما اختاروا إعلان لبنان الكبير والعيش المشترك مع سائر الطوائف، فيما كان اليهود على خطأ عندما اختاروا إقامة دولة خاصة بهم، ذات غالبية يهودية، بدلًا من الاندماج في محيطهم. ويستند أصحاب هذه المقولة إلى الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ تأسيسها، وإلى رفض دول ومجتمعات عربية لوجودها، ليخلصوا إلى أنّ التجربة اللبنانية، على الرغم من إخفاقاتها، تبقى الخيار الأكثر صوابًا.
لكن هل تصمد هذه المقولة أمام مراجعة هادئة للتجربتين؟ وهل يكفي أن يكون الخيار منفتحًا وتعدديًا حتى يكون ناجحًا، أم أنّ العبرة تكمن في النتائج التي يحقّقها كلّ مشروع لشعبه؟
السؤال الأول الذي ينبغي طرحه هو: لماذا يُفترض أن يكون من حقّ شعوب المنطقة إقامة دول تستند إلى هويّتها الدينية والقومية، فيما يُنظر إلى أيّ طرح مماثل لدى اليهود أو الموارنة باعتباره خطأً تاريخيًا أو خروجًا على منطق العصر؟ لو كانت دول المنطقة تقوم على المواطنة المتساوية، والعلمانية، والتعددية الفعلية، لكان النقاش في هذا الموضوع مختلفًا. لكنّ الواقع أنّ دول المنطقة برمّتها تستند إلى هوية دينية أو قومية واضحة، فيما يُطلب من لبنان أن يشكّل استثناءً، وأن يراهن على صيغة تتجاوز التناقضات التي تعجز دول أخرى عن تجاوزها.
ثانيًا، لا يمكن تجاهل أنّ إسرائيل، على الرغم من الحروب والتهديدات التي واجهتها، استطاعت بناء دولة ذات مؤسسات وقدرات عسكرية واقتصادية، وركّزت على حماية وجودها وتثبيت أمنها، مستندةً إلى قوتها الذاتية وعلاقاتها الدولية، وفي مقدّمها علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية. كما انتقلت من حالة الحرب مع بعض جيرانها إلى توقيع اتفاقات سلام معهم، فيما ظلّ الصراع مع أطراف أخرى قائمًا، بفعل رفض التسوية أو التمسّك بشروط تتجاوز الاعتراف المتبادل والحدود السياسية.
لم تكن الطريق الإسرائيلية خالية من الأثمان، ولم يتحقّق أمنها بصورة نهائية، لكنّها نجحت في تثبيت وجودها، وفي تحويل مشروعها إلى دولة قادرة على التخطيط لمستقبلها، بدلًا من البقاء رهينة انتظار موافقة محيطها على حقّها في الوجود. وقد أظهرت التجربة أنّ عامل الوقت عمل لمصلحتها. فأين كانت إسرائيل منذ تأسيسها، وأين أصبحت اليوم؟ وأين كان الموارنة منذ تأسيس الكيان اللبناني، وأين أصبحوا اليوم؟ والأهم أنّه لا يوجد خطر يهدّد إسرائيل من داخلها يوازي الخطر الذي يهدّد المشروع اللبناني من داخله، والذي لم يُعالَج ولن يُعالَج ما دامت أسبابه قائمة.
ومع اختيار الموارنة مشروع لبنان الكبير، راهنوا على أنّ الشراكة مع سائر الطوائف، والانفتاح على الآخر، والعيش المشترك، يمكن أن تؤسّس دولة تحمي الجميع وتضمن استقرارهم. لكنّ التجربة، على امتداد قرن، تطرح سؤالًا صعبًا: هل نجح هذا الخيار في تحقيق الغاية التي أُنشئ من أجلها؟
وما ينطبق على المتصرفية لا ينسحب على لبنان الكبير، إذ كانت الغلبة الديموغرافية في المتصرفية مسيحية. ومن حقّ الطوائف الأخرى، بطبيعة الحال، أن تطالب بالشراكة في القرار، لكن ضمن توازن ديموغرافي واضح، ومن دون تهديد الكيان الذي قامت عليه المتصرفية.
فلبنان عرف انهيارات وحروبًا وأزمات سيادية متعاقبة، وتحوّل في مراحل عديدة إلى ساحة للحروب والصراعات، وعُطّلت قدرة الدولة على فرض سلطتها، وتعرّض الدور السياسي الماروني لتحوّلات عميقة. ولم يكن الخلل في التعددية بوصفها تنوّعًا بشريًا وثقافيًا، بل في تحويلها إلى صيغة سياسية تسمح بتعايش مشاريع متناقضة، وتمنح كلّ جماعة القدرة على تعطيل الدولة، وصولًا إلى تقويض سيادتها عندما تتعارض قراراتها مع مصالح تلك الجماعة أو ارتباطاتها الخارجية.
هنا تكمن المشكلة الأساسية: لا يكفي أن تتعايش جماعات مختلفة داخل حدود واحدة كي تنشأ دولة. فالدولة تحتاج إلى مرجعية سيادية واحدة، وإلى مؤسسات تحتكر استخدام القوة، وإلى اتفاق على قواعد الحكم ومفهوم المصلحة الوطنية. أمّا عندما تتناقض الولاءات والمشاريع، ويصبح لكلّ جماعة تعريفها الخاص للوطن وموقعه في الصراعات الإقليمية، فإنّ العيش المشترك يتحوّل من فضيلة نظرية إلى مأزق سياسي مفتوح.
والرهان على أنّ المستقبل سيحسم مسألتي الولاء والانتماء هو رهان في غير محلّه، لأنّ ما لم يُحسم في مئة عام لن يُحسم في المئة المقبلة. فأيّ تعايش هذا الذي يعتبر أنّ جيشه في لبنان هو الجيش الفلسطيني، والذي يعتبر أنّ الجيش الأسدي في لبنان هو جيش داخل بلده الثاني، والذي يعتبر أنّ الحرس الثوري الإيراني يمثّل مقاومة يريد فرضها على جميع اللبنانيين؟ إنّها حفلة تكاذب مستمرة منذ 106 أعوام، وقد حان الوقت لوضع حدّ لها ودفنها.
وليس الحديث عن المواطنة والتعددية في الغرب دليلًا على أنّ كلّ المجتمعات قادرة على تطبيقهما بالطريقة نفسها، أو أنّهما تنجحان تلقائيًا بمعزل عن شروطهما. وحتى التجارب الغربية تواجه نقاشات حادّة حول الهجرة والاندماج والهوية. وما يحصل في فرنسا يطرح أسئلة جدية حول إمكان الاندماج بين مجتمعات وهويات مختلفة، تتباين في قيمها وفي نظرتها إلى المواطنة. كما يطرح تساؤلات حول التوفيق بين الحقوق الفردية، واحترام الاختلاف، والالتزام بقواعد الدولة المشتركة. فالمواطنة ليست شعارًا يُرفع، بل عقد سياسي يقتضي قبول الجميع بمرجعية واحدة وبقواعد لا يجوز تجاوزها.
وعلى الرغم من أنّ سردية الموارنة انتصرت، وأنّ مشروعهم انتصر من حيث المبدأ، بدليل أنّ كلّ ما كانوا يحذّرون منه منذ ستين عامًا تبيّن أنّ تحذيراتهم منه كانت في محلّها، فإنّ ذلك لا يكفي. فقد حذّروا من تحويل لبنان إلى ساحة للصراعات، ومن زجّه في حروب لا مصلحة له فيها، وتمسّكوا بالحياد، واتفاقية الهدنة، ومركزية الدولة، ورفض استخدام الأراضي اللبنانية منصّةً لاستهداف إسرائيل.
لكنّ هذا الانتصار في تشخيص الأخطار لا يكفي ما لم يُترجم في نظام سياسي جديد يمنع تكرار التجارب المأسوية. فلا يكفي القول إنّ التطورات أثبتت وجاهة التحذيرات المارونية، فيما دفع لبنان واللبنانيون، والمسيحيون خصوصًا، أثمانًا باهظة نتيجة الخيارات المعاكسة التي دُفع لبنان إليها.
وصحيح أنّ السردية المسيحية انتصرت، لكنّ انتصار السردية لا يعني انتصار المشروع الذي أراد المسيحيون بناءه، أي قيام دولة تعددية منفتحة وحرّة ومستقرة ومحايدة. فهذا المشروع فشل، والرهان على إنجاحه بالصيغة نفسها هو رهان على الفشل. فهل يُعقل أن تكون جماعة محقّة في تشخيص الأخطار، وعاجزة عن حماية موقعها ودورها داخل الدولة التي اختارتها إطارًا لوجودها؟
وهذا لا يعني إطلاقًا توزيع المسؤوليات وتحميلها للأحزاب والكنيسة وغيرها، لأنّ التغيير الجذري يحتاج إلى ظروف خارجية وداخلية، وإلى دراسة المخاطر وتحضير المناخات المناسبة وغيرها من الشروط. بل يعني الخروج، ولو على مستوى الخطاب، من المحاولات العقيمة التي لم تؤدِّ إلى إنتاج دولة فاشلة بكلّ ما تعنيه الكلمة.
فلم يعد من الجائز الدفاع عن الصيغة القائمة، ولا التعامل مع العيش المشترك باعتباره مسلّمة لا يجوز إخضاعها للنقاش. المطلوب مراجعة جذرية لأسس النظام اللبناني، والبحث في صيغ دستورية وسياسية تضمن الاستقرار، وتحمي الهويات والحقوق، وتمنع أيّ جماعة من فرض خياراتها على الآخرين أو استخدام الدولة لخدمة مشروع يتجاوزها.
فالعيش المشترك الفعلي هو أن تعيش جماعات مختلفة على أرض واحدة، مع تنظيم خصوصية كلّ جماعة عموديًا وأفقيًا. أمّا تجربة الوصل بصيغتها الراهنة، فقد أظهرت فشلًا في إدارة الدولة وتآكلًا مستمرًا في الجغرافيا المسيحية، التي إذا ما زالت مع الوقت، انتهى الوجود المسيحي في لبنان.
وهذا ما يجب أن يقود، بكلّ وضوح وشفافية، إلى طرح فكرة قيام أربع دول أساسية ضمن الدولة اللبنانية: دولة للمسيحيين، وأخرى للسنّة، وثالثة للشيعة، ورابعة للدروز، على أن يكون لكلّ دولة تنظيمها المالي والتشريعي، فيما تتمثّل وظيفة الدولة اللبنانية الجامعة في منع الحروب بين هذه الدول. وفي مطلق الأحوال، تُبحث التفاصيل على قاعدة الحرية والحقوق والجدوى، لا على قاعدة الشعارات أو الافتراضات المسبقة.
المهمّ اليوم هو الإقرار بأنّ صيغة العيش المشترك بصورتها التي عرفها لبنان فشلت فشلًا ذريعًا، ولم تنجح في بناء دولة مستقرة وسيّدة، وأنّ التمسّك بها سيعرّض ما تبقّى من الدور الماروني لمزيد من التراجع.
لماذا يحقّ للمسلمين السنّة والشيعة أن تكون لهم دول قائمة على دين الدولة في المنطقة، ولا يحقّ للمسيحيين في لبنان أن يقيموا دولة خاصة بهم ضمن الجغرافيا اللبنانية، وأن يحدّدوا النظام الذي يريدونه لها؟ ولماذا لا يحذو السنّة والشيعة في لبنان حذو دولهم في المنطقة، بإقامة دول دينية لهم، على غرار ما ينطبق على الموحّدين الدروز أيضًا؟ فالكلام في الطائفية في لبنان هو عيب، بينما أن يكون للدولة هوية دينية في العالم الإسلامي ليس عيبًا!
إنّ من سيدفع ثمن استمرار التجربة اللبنانية الهجينة والمشوّهة هم المسيحيون. لذلك، يجب، قبل فوات الأوان، الاستفادة من وجود جغرافيا ذات غالبية مسيحية لإقامة الدولة المسيحية، لأنّ هذه الجغرافيا ستزول مع الوقت، كما زالت قبلها جغرافيات أخرى.
اليهود اختاروا مشروع دولتهم، فيما اختار الموارنة مشروع الشراكة اللبنانية. وبعد قرن من التجربة، يحقّ لنا أن نسأل عمّا نجح وعمّا فشل، وأن نعيد النظر في الخيارات التي تحكم مستقبلنا.
اليهود كانوا على صواب والموارنة على خطأ؟ لعلّ الوقت حان كي يواجه الموارنة هذا السؤال، بدلًا من الهروب منه.



