اتفاق الإطار ليس 17 أيار… والظروف تغيّرت

شارل جبّور
بماذا يختلف اتفاق الإطار عن اتفاق 17 أيار؟ ولماذا لا يجوز تشبيهه به، ولا اعتبار أن مصير اتفاق الإطار سيكون شبيهًا بمصير اتفاق 17 أيار؟ الجواب يبدأ من ظروف وطبيعة كلٍّ من الاتفاقين. فاتفاق 17 أيار كان اتفاقًا تفصيليًا دخل في مسائل تقنية وأمنية وسياسية متعددة، فيما اتفاق الإطار ليس معاهدة سلام، ولا اتفاقًا تفصيليًا، بل هو، في جوهره، إعلان نيات يستند إلى فلسفة سياسية لما يفترض أن تكون عليه طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، وهي فلسفة تقوم على تحديد المصلحة المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان في مواجهة عدو مشترك هو “حزب الله”.
فالحزب عدو للولايات المتحدة بسبب أعماله الإرهابية وقتله أميركيين، وهو عدو لإسرائيل بسبب تهديده أمنها، وهو عدو للبنان بسبب تهديده سيادة الدولة ومنعه إياها من بسط سلطتها على كامل أراضيها. وبمعنى أوضح، فإن اتفاق الإطار ينطلق من تحديد المشكلة والمصلحة المشتركة قبل الدخول في التفاصيل. وهو يؤسس لفلسفة سياسية تقول إن مصلحة لبنان وإسرائيل، برعاية الولايات المتحدة، تكمن في إنهاء قدرة “حزب الله” على استخدام الأراضي اللبنانية منصةً لاستهداف إسرائيل، بما يفتح الباب أمام علاقة مختلفة بين الدولتين.
كما أن اتفاق الإطار يتضمن بوضوح نقطتين أساسيتين: الأولى أن لا أطماع إسرائيلية في لبنان، والثانية أن إسرائيل تنسحب من لبنان عندما تتأكد من أن الدولة اللبنانية أصبحت قادرة على منع الميليشيا الإيرانية في لبنان من استخدام الأراضي اللبنانية لاستهدافها. والنقطة الأولى مثبتة بالوقائع. فقد انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000، كما انسحبت عام 2006، ولم تدخل لبنان أصلًا إلا بعدما تحوّل إلى منصة لاستهدافها، مرة فلسطينية، ومرة أسدية وأممية، ومرة إيرانية.
أما الكلام عن أن اتفاق الإطار “سقط”، وأن مصيره لن يكون مختلفًا عن مصير اتفاق 17 أيار، فهو في غير محله، لأنه يتجاهل العامل الأكثر أهمية في السياسة: الظروف المحيطة بأي اتفاق. ومعلوم أن اتفاق 17 أيار وُلد في ظروف محلية وإقليمية ودولية مختلفة جذريًا عن الظروف التي وُلد فيها اتفاق الإطار.
في عام 1983، كان حافظ الأسد لا يزال في موقع القوة، وكانت سوريا لاعبًا إقليميًا أساسيًا وقادرًا على تعطيل أي مسار لا يناسبها. ولم تكن البيئة العربية والدولية قد وصلت إلى ما هي عليه اليوم، كما لم تكن إسرائيل تتمتع بالمقبولية التي باتت تتمتع بها اليوم في أجزاء واسعة من المنطقة. وكان الاتحاد السوفياتي موجودًا كقوة دولية عظمى، وكانت المنطقة غارقة في تشابكات مختلفة، فيما كان المشروع الذي سيُعرف لاحقًا بالممانعة لا يزال في بدايات صعوده الإقليمي.
أما اليوم، فالصورة مختلفة بالكامل. سقط نظام الأسد، وتراجعت إيران إلى وضع شديد الصعوبة وفي ظل خيارات محدودة تتراوح بين سقوط نظامها بفعل تغيير سياساتها، أو سقوطه بفعل الإصرار على هذه السياسات، و”حزب الله” تلقّى هزيمة عسكرية، وأصبح محاصرًا جغرافيًا ووطنيًا وسياسيًا وشعبيًا، ولم يعد قادرًا على فرض الوقائع التي كان يفرضها في السابق. كما أن البيئة العربية والدولية تجاه إسرائيل تغيّرت. فقد أثبتت السنوات الماضية لدول عربية عدة أن الخطر الذي يستهدفها بصورة مباشرة ليس إسرائيل، بل إيران وأذرعها وميليشياتها وصواريخها، وهو ما أعاد رسم الكثير من الحسابات الإقليمية.
بكلام آخر، كان مشروع الممانعة في ثمانينات القرن الماضي في مرحلة صعود إقليمي ودولي ومحلي، رغم كل ما أصابه من ضربات، فيما هو اليوم في حالة تفكك وانهيار وتراجع. وهنا تحديدًا تسقط المقارنة مع 17 أيار. فالفريق الذي تمكّن في عام 1983 من إسقاط الاتفاق لم يعد يملك الظروف نفسها، ولا الأدوات نفسها، ولا البيئة الإقليمية والدولية نفسها.
المشكلة الوحيدة التي لا تزال قائمة هي التردد اللبناني الرسمي. لكن حتى هذا التردد ليس ثابتًا، بل هو مرتبط بانتظار تطورات إسرائيلية بعد الانتخابات، بما يسمح بانتقال لبنان إلى مسار سلام مع حكومة إسرائيلية جديدة تتمتع بتفويض شعبي، وقد يكون مرتبطًا بانتظار المزيد من الوهن في صفوف “حزب الله”، أو تطورات إقليمية يمكن أن تعيد ترتيب المشهد، بما فيها حرب إقليمية أوسع أو تطورات داخل البيئة الشيعية اللبنانية.
وفي كل الحالات، فإن الاتجاه العام لا يتغير. “حزب الله” لا يستطيع العودة إلى المكانة التي كان عليها، ولا يستطيع حتى وقف مسار خسائره. وكل يوم يمرّ من دون أن يحل تنظيمه العسكري والأمني يعني المزيد من الخسائر، إلى أن يستسلم، أو تحسم الدولة أمره، أو ينتفض الشيعة ضده.
لذلك، فإن الفلسفة التي قام عليها اتفاق الإطار هي التي ستبقى تحكم المسار المقبل، حتى لو تأخر التنفيذ، وحتى لو ترددت الدولة اللبنانية في الانتقال من إعلان النيات إلى الخطوات العملية. اتفاق الإطار لم يسقط، ولا يجوز إسقاطه على تجربة 17 أيار، إذ إن ظروف الأخير كانت لمصلحة الممانعة، أما ظروف اتفاق الإطار فأصبحت على حسابها.
ومن لا يقرأ هذا الواقع والوقائع، فهذه مشكلته، لأنه يرفض الاعتراف بالمعطيات الثابتة الجديدة، وموازين القوى الجديدة، والتحولات التي حدثت في لبنان والمنطقة والعالم في ظل مرحلة جديدة. فما كان ممكنًا بالأمس لم يعد ممكنًا اليوم، وما كان قادرًا على قلب الوقائع في عام 1983 لم يعد قادرًا على فعل ذلك في عام 2026. وعقارب الساعة لن تعود هذه المرة إلى الوراء، بل تتجه إلى إنهاء لبنان المنصة من جهة، وإلى السلام بين لبنان وإسرائيل من جهة أخرى.



