من علي الطاهر إلى الخزينة… المال العام خط الدفاع الأخير عن الثنائي

جوزيف بو هَيّا
لم تكن علي الطاهر مجرد تلة خسرها «حزب الله»، بل لحظة انكشاف أصابت الرواية التي حكم بها بيئته طويلاً. فالحزب لم يستمدّ ولاء بيئته من تمثيلها سياسياً فحسب، بل من إقناعها بأنه يحميها، وأن سلاحه يردع، وأن إيران لن تسمح بكسره. لكن التلة سقطت، وبنيتها العسكرية دُمّرت، والقرى دفعت الثمن، فيما بقي السؤال معلّقاً: من قرر المواجهة، ومن فاوض على نهايتها، ومن حمى مصالحه، ومن تُرك لمصيره؟
ما بدأ في علي الطاهر لن يبقى في الميدان. فالحزب الذي اهتزت قدرته على الحماية، وتتراجع قدرته على التعويض، سيبحث داخل الدولة عن المال اللازم لمنع الشك من التحول إلى اعتراض. من هنا تبدأ معركته المقبلة: تحويل الخزينة العامة إلى خط الدفاع التالي عن سلطته الخاصة.
والتململ داخل بعض الأوساط الشيعية لا يعني انقلاب البيئة عليه، لكنه يكشف تصدّع العقد الذي ربطها به: حماية مقابل الولاء، وإعالة مقابل الصمت، وقوة مقابل تفويض مفتوح بالقرار. وتبدأ المسافة داخل البيئات العقائدية بسؤال، فاعتراض، فمقارنة بين التضحيات والنتائج. والحزب لا يخشى الجوع بقدر خشيته من تحوله إلى سؤال سياسي: لماذا يدفع الشيعي اللبناني كلفة قرار إيراني، ثم يُطلب منه اعتبار خسارته انتصاراً؟
يزداد السؤال خطورة مع تراجع قدرة الحزب على التعويض. فالعقوبات الأميركية تتعقب منظومة التمويل، من شركات الواجهة إلى الصرافين وناقلي الأموال، مروراً بقنوات في تركيا والإمارات ودول أخرى. وقد تحدثت الخزانة الأميركية عن شبكات حوّلت أكثر من مئة مليون دولار إلى مشاريع مرتبطة بالحزب، وعن استخدام نفوذه داخل مؤسسات الدولة لتوجيه موارد لمصلحته. ومع تضييق حركة النقد والذهب والعملات الرقمية، يصعب تمويل البنيتين العسكرية والاجتماعية معاً.
هذا الضغط لن يدفع الحزب إلى الانكفاء، بل سيزيد شراسته في حماية مصادر قوته. فعندما تضيق خزينة المحور، تتسع شهية الثنائي على خزينة الجمهورية. وما تعجز إيران عن دفعه، سيحاول «حزب الله» ونبيه بري تحصيله عبر الوزارات والمجالس والصناديق والتلزيمات والتعويضات.
يحمي الحزب سلاحه بقوة الأمر الواقع، ويحميه بري من داخل النظام. يفرض الأول هذا الواقع بالقوة، ويحوّله الثاني إلى نفوذ مؤسساتي؛ يصادر الحزب القرار السيادي، فيما يؤمّن بري للمصادرة الغطاء والمورد والتسوية. الأول يمسك بالأرض، والثاني بالممرات التي تعبر منها التعيينات والاعتمادات. هكذا يحمي الحزب منظومة بري من خارج الدولة، ويحمي بري سلاح الحزب من داخلها.
منذ عقدين، رسّخ الثنائي صيغة الحكم الخاص والمال العام: سلطة شبه مستقلة داخل مناطق نفوذه، تمنع الدولة من منازعتها الأمن والقرار والتمثيل، وشراكة كاملة في موارد الجمهورية. يحتكر المنطقة عند السلطة، ويستحضر الدولة عند التمويل. قراره خاص وكلفته عامة؛ سلاحه وشبكاته له، والخزينة والوظائف والعقود حصة مشاعة.
ويقدّم مجلس الجنوب النموذج الأوضح. فقد أُنشئ لمعالجة الحرمان وآثار الاعتداءات، ثم تحوّل إلى ذراع خدماتية في منظومة بري وأحد مفاتيح نفوذه. مُنح استقلالاً مالياً وإدارياً، وبقي خارج الرقابة المسبقة الفعلية لديوان المحاسبة، ما وفّر بيئة للاستنساب والمحسوبيات والاتفاقات الرضائية. كانت الخزينة تدفع، فيما يحصد بري الولاء ويظهر حق الجنوبيين كأنه عطاء من الحركة.
الدولة المثالية للثنائي معلّقة: تجمع الضرائب، وتدفع التعويضات، ثم تتوارى عند القرار والمحاسبة. احتكارها للسلاح ينهي وظيفة «حزب الله» العسكرية، ووصول الحقوق بلا وسيط ينهي وظيفة بري السياسية. والشفافية تقطع طريق المال السياسي، فيما تعيد المحاسبة فتح السؤال المحظور: من قرر الحرب، وبأي حق، ولمصلحة من؟
ويصل السؤال إلى جوهره في ملف الإعمار. فمن حق أهل الجنوب والبقاع والضاحية ألا يُتركوا تحت الركام، لكن ذلك لا يعني تحميل اللبنانيين كلفة حرب لم يقرروها. فالمسؤولية تبدأ من «حزب الله» الذي صادر قرار الحرب، وتمتد إلى إيران التي موّلته وسلّحته وجعلته جزءاً من مواجهتها الإقليمية. ولا يجوز أن يدفع اللبناني مرتين: من أمنه واقتصاده أولاً، ثم من ضرائبه، فيما يحتفظ الحزب بسلاحه وتحتفظ إيران بأموالها.
لذلك، على الحكومة أن تحوّل الإعمار من استجداء للمساعدات إلى ملف مسؤولية وتعويض: إحصاء مستقل للأضرار، وملف قانوني يثبت دور طهران في التمويل والقرار، ومطالبة الدول التي تحتجز أصولاً إيرانية بتخصيص جزء منها للبنان. ويجب أن يصبح التعويض شرطاً لتحرير تلك الأموال أو تخفيف العقوبات. وقد يتطلب ذلك تسوية أو أحكاماً أو آلية دولية، لكن على الدولة فتح الطريق. فإذا استخدمت إيران لبنان جبهة، فمن أموالها يجب أن يُعاد بناء ما هدمه مشروعها.
وعندما يُنتزع التعويض، لا يجوز تسليمه إلى مجلس الجنوب بصيغته المعروفة، ولا إلى صندوق جديد يحمل منطقه. المطلوب حساب تعويضات مستقل، ومعايير معلنة، ومدفوعات مباشرة للمتضررين، وعقود منشورة تخضع لهيئة الشراء العام ولرقابة ديوان المحاسبة المسبقة واللاحقة، مع تدقيق مستقل تُنشر نتائجه. فالرقابة الصورية ليست رقابة، والتعويض يجب أن يعيد إلى المتضرر منزله، لا أن يعيد للثنائي سلطته عليه.
هنا تقع مسؤولية العهد والحكومة: نقل الفاتورة إلى الجهة التي صنعت أسبابها، ومنع تحويل التعويض إلى دورة جديدة من الزبائنية. ولا تستقيم الدعوة إلى حصرية السلاح مع إبقاء المؤسسات أدوات تموّل حامله وتحمي مصالحه. فنزع السلاح يبدأ عند مخازن الصواريخ، ويبدأ أيضاً بتجفيف المال السياسي الذي يطيل عمر السلاح ويحمي منظومته.
والمواجهة تفك احتكار الثنائي للتمثيل الشيعي، ولا تحوّل الشيعة إلى خصم. فحصول المواطن على حقه مباشرة يربطه بالدولة، وحاجته إلى الوسيط تبقيه أسيره. ومعاقبة البيئة جماعياً تدفعها إلى الحزب، وتمنحه ذريعة الخطر التي يحتاج إليها لترميم شرعيته. حماية المناطق المنكوبة تكون بانتزاع حقوقها ممن تسبب بنكبتها، وإيصالها إلى أصحابها بعيداً من احتكار إعمارها سياسياً.
ما يواجهه «حزب الله» قد يكون أخطر من خسارة موقع عسكري: تراجع قدرة السلاح على إنتاج الحماية، وتراجع قدرة المال على شراء الصمت. لذلك سيقاتل لمنع التململ من التحول إلى بديل، وسيستشرس في الإمساك بالدولة التي عطّل قيامها، مستخدماً مواردها لإطالة عمر سلطته.
المعركة المقبلة على المواطن والمال والدولة معاً. ومن يترك الخزينة العامة تتحول إلى خط دفاع عن الحكم الخاص، يصبح شريكاً في تمويل إخضاع البيئة. دولة معلّقة بين الحضور والغياب: تلك هي البنية التي يعيش منها الثنائي، وتلك هي البنية التي يجب إسقاطها كي تقوم الجمهورية.

كاتب ومحلّل سياسي لبناني مقيم في الولايات المتحدة. يكتب في القضايا اللبنانية والإقليمية والدولية، وتتركّز اهتماماته على شؤون الدولة والسيادة، والتحولات الجيوسياسية، وصراعات النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط. يعتمد في مقالاته مقاربة تربط الحدث السياسي بسياقه الاستراتيجي، مع اهتمام خاص بموقع لبنان ضمن التحولات الإقليمية والدولي



