من نيويورك إلى الجنوب… لبنان يسابق فراغ اليونيفيل والتصعيد الإقليمي

مستقبل اليونيفيل في جنوب لبنان وتحرك نواف سلام في نيويورك ودعم الجيش اللبناني
الموجز الإعلامي اليومي 21 أيلول 2026

يدخل لبنان أسبوعاً دبلوماسياً وأمنياً بالغ الحساسية، مع انتقال رئيس الحكومة نواف سلام إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فيما يتقدم مستقبل اليونيفيل إلى صدارة الملفات اللبنانية. بيروت تريد منع أي فراغ دولي في الجنوب بعد نهاية مهمة القوة الحالية، بالتوازي مع استمرار العمليات الإسرائيلية والتوتر في دير ميماس ومناطق أخرى. وفي المقابل، حصل الجيش اللبناني على دفعة جديدة من المساعدات الأميركية شملت 70 مستوعباً من الذخائر. أما اقتصادياً، فيحذر صندوق النقد من انكماش ملحوظ وتضخم مرتفع نتيجة الحرب وكلفة الطاقة، بينما ترتفع أسعار المحروقات وتتزايد الضغوط الاجتماعية. إقليمياً، يرفع التوتر بين واشنطن وطهران والتصعيد في اليمن منسوب القلق من توسع المواجهة وانعكاسها مجدداً على لبنان.

مستقبل اليونيفيل يتصدر مهمة نيويورك

يحمل سلام إلى نيويورك ملفاً يتجاوز المشاركة التقليدية في الجمعية العامة.

لبنان يريد منع نشوء فراغ أمني في الجنوب مع اقتراب نهاية مهمة «اليونيفيل»، ويبحث عن أحد خيارين: إعادة النظر في مسار إنهاء المهمة، أو إيجاد صيغة دولية بديلة تحظى بمظلة أممية واضحة.

وتشير المعلومات الدبلوماسية الواردة في التقرير إلى تحرك أوروبي متزايد في هذا الاتجاه، مع أفكار لتمديد محدود قد يمنح الأطراف وقتاً إضافياً للتوصل إلى صيغة انتقالية.

لكن أي تمديد أو بديل يحتاج إلى توافق دولي لم يتحقق بعد.

سلام بين نيويورك وواشنطن

يتضمن برنامج رئيس الحكومة سلسلة لقاءات مع مسؤولين دوليين، قبل انتقاله لاحقاً إلى واشنطن.

ومن أبرز الاجتماعات المرتقبة لقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إلى جانب المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا ورئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا.

هذه الجولة تجمع ثلاثة ملفات في وقت واحد:

الجنوب والأمن.

الدعم الاقتصادي.

ومستقبل العلاقة مع واشنطن.

وتكمن أهمية التحرك في محاولة تحويل المطالب اللبنانية من مواقف معلنة إلى التزامات دولية قابلة للتطبيق.

دير ميماس تكشف خطورة الفراغ

أعادت التطورات في دير ميماس إبراز هشاشة الوضع الميداني.

شهدت المنطقة خلال الأيام الأخيرة توتراً بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية قرب نقطة مراقبة أقامها الجيش لمواكبة الأهالي. وبعد اتصالات عبر مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان، تراجعت القوة الإسرائيلية من الموقع.

لكن التوتر لم ينتهِ هناك.

فقد سُجلت لاحقاً عمليات إسرائيلية جديدة في محيط البلدة، بالتزامن مع استمرار القصف والتفجير في مناطق أخرى من الجنوب.

لهذا يصبح النقاش حول مستقبل اليونيفيل مسألة عملية لا بروتوكولية. أي انسحاب دولي غير منظم سيضع الجيش والسكان أمام مسؤوليات ومخاطر أكبر.

الجيش يتسلم 70 مستوعباً من الذخائر

في توقيت يرتفع فيه الحديث عن توسيع مسؤوليات المؤسسة العسكرية، أعلن الجيش تسلم 70 مستوعباً من أنواع مختلفة من الذخائر في مرفأ بيروت ضمن برامج المساعدات العسكرية الأميركية.

تحمل الشحنة دلالة واضحة.

واشنطن تستمر في دعم الجيش، بينما تطالب الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي المؤسسة العسكرية بأدوار أكبر في الجنوب وعلى الحدود وفي تثبيت سلطة الدولة.

لكن الذخيرة وحدها لا تكفي.

يحتاج الجيش أيضاً إلى قدرات مراقبة واتصالات ونقل وهندسة وتجهيزات لوجستية تواكب المهمات التي سيُطلب منه توليها إذا تقلص الوجود الدولي.

معادلة الانسحاب وقوة الجيش

برز في الأيام الأخيرة موقف أميركي يربط الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية بتعزيز قدرة الجيش على أداء مهماته.

هذه المقاربة تطرح سؤالاً عملياً:

إذا كان الانسحاب ينتظر جيشاً أقوى، فيجب أن يتقدم دعم الجيش بسرعة وبالتوازي مع أي ترتيبات سياسية.

أما إبقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان إلى أن تتحقق شروط مفتوحة زمنياً، فيجعل الانتقال إلى السيادة الكاملة أكثر تعقيداً.

المعادلة القابلة للتطبيق تحتاج إلى خطوات متبادلة:

انسحاب إسرائيلي، انتشار الجيش، دعم قدراته، وبسط سلطة الدولة على الأرض.

القرار 1701 أم صيغة جديدة؟

يدخل لبنان نيويورك أيضاً وسط نقاش حول المرجعية القانونية والأمنية للمرحلة المقبلة.

يتمسك الجانب اللبناني بالقرار 1701 والشرعية الدولية، فيما تناقش بعض الأوساط إمكان إعطاء «صيغة الإطار» دوراً أكبر في إدارة الملف الجنوبي.

لكن التحول من قرار صادر عن مجلس الأمن إلى ترتيبات تفاوضية جديدة يثير أسئلة حول الحدود، الانسحاب ودور القوة الدولية.

لهذا يحتاج لبنان إلى تحديد موقف واضح:

أي صيغة جديدة يجب ألا تتحول إلى بديل ينتقص من الحقوق التي يضمنها الإطار الدولي القائم.

الراعي: دولة واحدة وقرار واحد

أعاد البطريرك بشارة الراعي طرح حصرية السلاح باعتبارها جزءاً من مفهوم الدولة.

وشدد على أن حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، مع جيش قوي وسيادة كاملة وقرار وطني واحد.

هذا الموقف يلتقي مع التوجه الرسمي الذي يعتبر أن الدولة يجب أن تكون صاحبة قرار الحرب والسلم.

لكن تطبيق هذه المعادلة يحتاج إلى معالجة سياسية داخلية تحافظ على السلم الأهلي، بالتوازي مع إنهاء الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية.

التفاوض يبقى خيار الدولة

أكد وزير الخارجية يوسف رجي أن المفاوضات تجري بقرار الحكومة اللبنانية، معتبراً أن المطلوب من إسرائيل يتجاوز ما يُطلب من لبنان.

كما أشار إلى أن المسار أنتج حتى الآن الإفراج عن بعض المحتجزين ووقف استهداف بيروت وبعض المرافق الحيوية، لكنه وصفه بأنه طويل.

وتظهر هذه المقاربة أن الدولة لا تعتبر التفاوض إنجازاً بحد ذاته.

المعيار الحقيقي سيكون الوصول إلى انسحاب، عودة الأهالي، إعادة الإعمار وتثبيت السيادة.

مقترح أوروبي لتمديد محدود

يتضمن التقرير معلومات عن طرح تقوده فرنسا وألمانيا لتمديد مهمة «اليونيفيل» نحو ستة أشهر إضافية، بهدف منع الفراغ وإعطاء الاتصالات السياسية وقتاً أكبر.

لكن هذا الطرح لم يحصل حتى الآن على الموافقة الأميركية والإسرائيلية اللازمة.

لذلك لا يمكن التعامل معه كقرار محسوم.

قيمته الأساسية أنه يكشف حجم القلق الأوروبي من الانتقال المباشر من وجود دولي قائم منذ عقود إلى مرحلة غير واضحة المعالم.

قطر وتركيا تتحركان أيضاً

تتحدث «نداء الوطن» عن اتصالات منفصلة تقودها قطر وتركيا بهدف خفض التصعيد في الجنوب.

وبحسب المعلومات المنشورة، لا توجد حتى الآن مبادرة موحدة بينهما. يبدأ التحرك بوقف التصعيد، على أن ينتقل لاحقاً، إذا نجح، إلى القضايا السياسية والأمنية الأوسع.

هذه المساعي تبقى في مرحلة الاتصالات.

لكن تعدد الوسطاء يعكس إدراكاً إقليمياً بأن استمرار الوضع الحالي يحمل خطر انتقال لبنان إلى مواجهة أكبر.

المنطقة تقترب من مرحلة شديدة الحساسية

يتزامن الأسبوع الأممي مع تصعيد كبير بين الولايات المتحدة وإيران، ومع استمرار المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن.

كما أصبح مضيقا هرمز وباب المندب جزءاً رئيسياً من معادلة التوتر الإقليمي.

وتحذر قراءات عدة في التقرير من احتمال توسع المواجهة، لكن لا يوجد حتى الآن قرار معلن يؤكد اندلاع حرب إقليمية شاملة.

لذلك يجب الفصل بين ارتفاع مستوى الجهوزية والخطر وبين اعتبار الحرب أمراً محسوماً.

هل يعود لبنان إلى الحرب؟

هذا السؤال عاد بقوة في التحليلات اللبنانية.

تذهب بعض المصادر إلى أن توسع المواجهة لتشمل إيران بصورة مباشرة قد يزيد الضغوط على الحزب للانتقال من حالة الانتظار إلى المشاركة.

لكن هذه السيناريوهات تبقى تقديرات سياسية.

لم يعلن الحزب قراراً بالدخول في حرب إقليمية جديدة.

بالنسبة إلى الدولة، الأولوية يجب أن تكون منع ربط قرار لبنان العسكري تلقائياً بتطورات إيران أو اليمن أو أي ساحة أخرى.

صندوق النقد يحذر من انكماش الاقتصاد

بعيداً من الأمن، يحمل التقرير تحذيراً اقتصادياً مهماً.

أنهت بعثة صندوق النقد زيارة إلى لبنان بين 15 و18 أيلول، وأكدت أن الحرب والتطورات الإقليمية ألحقت أضراراً كبيرة بالاقتصاد ومستويات المعيشة.

يتوقع الصندوق انكماشاً ملحوظاً في النشاط الاقتصادي خلال 2026، فيما يبقى التضخم في خانة العشرات ويتسع عجز الحساب الجاري بفعل ارتفاع كلفة الطاقة.

كما سجلت البعثة أضراراً واسعة في المساكن والبنية التحتية ونزوحاً داخلياً كبيراً.

صندوق النقد يحذر من زيادات عشوائية

شددت البعثة أيضاً على ضرورة تجنب زيادات استنسابية في الرواتب أو معاشات التقاعد من دون توفير إيرادات مقابلة.

لا يعني ذلك تجاهل انهيار القدرة الشرائية للموظفين والمتقاعدين.

لكن الصندوق يدعو إلى معالجة الملف ضمن إطار مالي شامل، لا من خلال قرارات منفصلة تزيد الإنفاق من دون تمويل.

وهذه ستكون واحدة من أصعب معادلات الحكومة:

كيف تحمي الناس من الغلاء من دون إعادة فتح باب اختلال مالي جديد؟

صفيحة البنزين تقترب من 32 دولاراً

يضغط ارتفاع أسعار النفط مباشرة على المواطن اللبناني.

وتشير التغطيات إلى وصول سعر صفيحة البنزين إلى نحو 32 دولاراً، بالتزامن مع ارتفاعات في المازوت والغاز وانعكاسها على النقل وأسعار السلع.

ويأتي ذلك مع بدء العام الدراسي وارتفاع تكاليف الأقساط والتعليم.

لهذا أصبح الخطر الاجتماعي جزءاً أساسياً من المشهد.

فالأزمة لم تعد فقط أزمة جنوب أو كهرباء أو موازنة.

إنها أزمة دخل يومي وقدرة على الاستمرار.

هل يتحرك الشارع؟

تتحدث بعض التقارير عن استعداد نقابات وقطاعات لتحركات احتجاجية نتيجة ارتفاع الأسعار وتدهور الظروف المعيشية.

لكن التحذيرات من «انفجار شعبي» تبقى حتى الآن توقعات، وليست واقعاً تحقق بالفعل على نطاق واسع.

شهدت قطاعات النقل تحركات، وظهر احتجاج في طرابلس مرتبط بقانون العفو، إلا أن انتقال البلاد إلى موجة احتجاجات شاملة لم يحصل بعد.

المطلوب من الحكومة التعامل مع الضغط قبل أن يتراكم أكثر.

الكهرباء تهدد التضامن الحكومي

تعود أزمة الكهرباء إلى قلب السياسة.

تقول معلومات صحافية إن «القوات اللبنانية» تدرس خياراتها داخل الحكومة إذا تُرك وزير الطاقة جو الصدي وحيداً في مواجهة أزمة مرتبطة بارتفاع كلفة المحروقات والأسعار العالمية.

لكن هذه المعلومات لم تتحول إلى إعلان رسمي عن انسحاب وزراء «القوات» من الحكومة.

لذلك، الأدق هو الحديث عن ضغط داخل الحكومة ومطالبة بتضامن أكبر في ملف الطاقة، لا عن قرار نهائي بالاستقالة.

وفي كل الأحوال، تحتاج الأزمة إلى قرار حكومي شامل، لأن وزارة واحدة لا تستطيع مواجهة ارتفاع عالمي في أسعار الطاقة وحدها.

قانون العفو يعيد طرابلس إلى الشارع

شهدت ساحة عبد الحميد كرامي في طرابلس اعتصاماً اعتراضاً على الطعن بقانون العفو وتعليق تنفيذه.

شارك في التحرك سياسيون وفعاليات ومواطنون، وطالب المحتجون بخطوات نيابية لمعالجة الملف.

لكن القانون أصبح في مسار دستوري وقضائي.

ومن ثم، تبقى الكلمة النهائية للجهات المختصة التي تنظر في الطعن، وليس للضغط السياسي وحده.

خلاصة المشهد

يحمل يوم 21 أيلول عنواناً واحداً كبيراً:

لبنان يسابق الفراغ.

فراغ محتمل في الجنوب إذا انتهت مهمة «اليونيفيل» من دون بديل.

فراغ أمني تحاول المؤسسة العسكرية منعه بينما تستمر العمليات الإسرائيلية.

وفراغ اقتصادي واجتماعي قد يتسع إذا واصلت أسعار الطاقة والغلاء الضغط على المواطنين.

وفي مقابل هذه المخاطر، يملك لبنان ثلاث أوراق أساسية:

الدبلوماسية في نيويورك وواشنطن.

الجيش الذي يتلقى دعماً ويحتاج إلى قدرات أكبر.

والشرعية الدولية التي تتمسك بها الدولة في ملف الجنوب.

أما الخطر الأكبر، فهو أن ينفجر الإقليم قبل أن تنجح هذه المسارات.

لذلك، لا يكفي أن يطالب لبنان بتمديد «اليونيفيل» أو بإيجاد قوة بديلة.

المطلوب أن تتحول المرحلة الانتقالية كلها إلى خطة واحدة:

قوة دولية تمنع الفراغ، جيش يتعزز وينتشر، إسرائيل تنسحب، القرار الأمني يعود بالكامل إلى الدولة، والأهالي يعودون إلى قراهم.

إذا نجح سلام في تحويل أسبوع نيويورك وواشنطن إلى دعم لهذه المعادلة، يكون لبنان قد كسب وقتاً ضرورياً.

أما إذا بقيت الملفات معلقة بينما يرتفع التصعيد الإقليمي، فقد يصبح الوقت نفسه جزءاً من المشكلة.