ثلاثة رهانات سقطت… فهل يبقى الرهان على الحرب؟

شارل جبّور
ثلاثة رهانات سقطت، واحدًا تلو الآخر، ولم يبقَ أمام اللبنانيين إلا التساؤل، بأسف: هل أصبح الرهان الرابع، أي استمرار الحرب، هو المسار الذي ستفرضه الوقائع بعدما فشلت الرهانات الأخرى في إنهاء الحالة الشاذة التي يعيشها لبنان منذ عقود، والمتمثلة في وجود سلاح وتنظيم عسكري وأمني إيراني خارج الدولة؟
الرهان الأول كان على أن يتعقّل الحزب الإيراني في لبنان بعد الهزيمة العسكرية التي مُني بها، وأن يسلّم بالوقائع الجديدة حرصًا على بيئته، وأن يدرك أن استمرار حمل السلاح لم يعد ممكنًا بعد كل ما حصل.
فالحزب خسر أمينه العام حسن نصرالله، ثم خلفه هاشم صفي الدين، وتلقى ضربة أمنية غير مسبوقة في تفجيرات أجهزة الاتصال، وتعرّضت بنيته العسكرية والأمنية لضربات مزلزلة، فيما دخلت إسرائيل بريًا إلى مناطق كان الحزب يقدّمها على مدى سنوات باعتبارها ساحته الحصينة، وتكشّف حجم الاختراق الذي أصاب منظومته والذل الذي وصل إليه.
كان الرهان، بعد كل ذلك، أن تؤدي هذه الهزيمة إلى مراجعة من أجل الحد من الخسائر، لا أكثر ولا أقل، سيما أن السلاح الذي وعد بيئته بأنه مصدر قوة وحماية تحوّل إلى سبب مباشر في الحرب والدمار والتهجير. لكن هذا الرهان لم يتحقق، وواهم وحالم من يعتقد أن هذا الحزب يمكن أن يتخلى عن سلاحه، ولا بل سيبقى متمسكًا بهذا السلاح وبخطابه الخشبي حول ما يسمى بـ”المقاومة” وبحقه في الاحتفاظ بسلاحه، رغم أن الحرب فضحت عجزه وفشله وهزيمته، وهو يتراجع من تلة إلى تلة، وإسرائيل تتقدم من تلة إلى تلة. ورهانه الوحيد هو على تبدّل الظروف بما يعيد إليه دوره.
وبالتالي، فإن الرهان على أن الهزيمة العسكرية المزلزلة ستدفع الحزب إلى مراجعة ذاتية تقوده إلى الدولة هو رهان لم ولن يتحقق.
الرهان الثاني كان على الدولة اللبنانية التي تشكلت بعد تبدّل موازين القوى مع الانهيار العسكري للحزب الإيراني في لبنان، وكان يُفترض أن تدرك أن اللحظة التاريخية التي وصل إليها لبنان لا تسمح بإعادة إنتاج مرحلة كانت فيها السلطة تغطي سلاح الحزب أو تتعامل معه باعتباره أمرًا واقعًا دائمًا.
وقد اتخذت الدولة بالفعل قرارات واضحة في هذا الاتجاه، بدءًا من 5 آب 2025 وصولًا إلى 2 آذار 2026، لكنها قررت أن تكتفي بإصدار القرارات من دون الانتقال إلى التنفيذ. وعندما يقول الشيخ نعيم قاسم إن ما يسمّيه “المقاومة” مستمر، ولا يلقى الرد المطلوب من الدولة بأن كلامه يشكل تهديدًا للأمن القومي في لبنان، وأنه لا يوجد شيء اسمه مقاومة في لبنان، فهذا يعني أن الدولة لا تريد فقط تنفيذ قراراتها، بل تريد التبريد السياسي معه، أي إنها تتجنب حتى الاشتباك السياسي، في الوقت الذي من واجبها أن تشتبك معه عسكريًا تنفيذًا لدستورها وسعيًا إلى بسط سيادتها وإنهاء الحرب.
وبالتالي، فإن الرهان على انتقال الدولة من الأقوال إلى الأفعال سقط، بل أصبح الهم الأساسي اليوم هو: كيف نمنع الدولة من العودة إلى مرحلة ما قبل التحول الكبير الذي شهدته البلاد، أي إلى مرحلة تكون فيها السلطة الرسمية غطاءً سياسيًا للحزب الإيراني، بدل أن تكون هي صاحبة القرار السيادي الوحيد؟
أما الرهان الثالث، فكان على البيئة الشيعية نفسها، إذ كان يُفترض، بعد كل ما جرى، أن تعيد هذه البيئة قراءة التجربة برمتها: من وعود القوة والانتصار، إلى شعار تحويل الطائفة إلى قوة إقليمية، وصولًا إلى القول إن السلاح يحمي الأرض والناس ويمنع إسرائيل من اجتياح لبنان.
وبعد أن لمست أن كل هذه الوعود كانت كاذبة، ولم تحصد من الحزب الإيراني سوى التهجير والدمار وسقوط آلاف الضحايا وتدمير بلدات وخسارة منازل وأرزاق، في مقابل خطاب سياسي لم يعد قادرًا على تقديم إجابات مقنعة عن سؤال بسيط: ماذا أعطى هذا السلاح لأصحابه عندما وقعت الحرب؟ ولماذا يتمسك بسلاحه رغم أنه أصبح أحد العوامل الرئيسية في استمرار المواجهة والموت والتهجير والتدمير؟
ومع ذلك، لم يحصل حتى الآن التحول الداخلي الذي كان يمكن أن ينقل هذه البيئة من موقع الخوف أو الانتظار أو الرهان على المساعدات إلى موقع المنتفض ضده، ومساءلته، ومطالبته بإنهاء المسار العسكري.
وهنا يسقط الرهان الثالث أيضًا. وهذا لا يعني أن البيئة الشيعية كتلة واحدة أو أن كل أفرادها يتخذون الموقف نفسه، بل يعني أن التحول السياسي والاجتماعي الذي كان يمكن أن ينشأ من نتائج الحرب لم يبلغ، حتى الآن، مستوى يغيّر المعادلة القائمة.
وهكذا يجد لبنان نفسه أمام المفارقة التالية:
الحزب لا يريد أن يتخلى عن سلاحه.
والدولة لا تريد أن تنفّذ دستورها وقراراتها السيادية.
والبيئة التي دفعت الثمن الأكبر لا تريد، لأسباب متعددة، أن تنتفض في وجهه.
ماذا يبقى إذًا؟
يبقى الرهان الرابع، ويا للأسف، الحرب. فبدل أن تكون الدولة هي التي تنهي الحالة المسلحة الخارجة عنها، وبدل أن يكون الحزب هو الذي يقرأ هزيمته ويعيد حساباته، وبدل أن تكون البيئة التي دفعت الثمن هي التي تفرض على حزبها مراجعة خياراته، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام احتمال أن تستمر المواجهة العسكرية إلى أن تفرض بالقوة ما عجزت السياسة حتى الآن عن إنجازه.
وهذا ليس انتصارًا لأي طرف، بل فشلٌ للرهانات الثلاثة السابقة. ويتحمّل كل طرف من أطراف هذا المثلث مسؤولية استمرار الحرب وعودتها في جولة حاسمة، وهذا جزء من سوء القراءة السياسية التي بدأت في 8 تشرين الأول وما زالت مستمرة، لأن من يظن أن إسرائيل المنتصرة ستسمح للحزب الإيراني بأن يعيد تكوين قوته واهمٌ ووهمٌ.
وبالتالي، فإن الحرب مستمرة وستتوسع، والمسؤولية الكبرى تقع، من جهة، على من يصرّ على إبقاء لبنان داخل هذه الحلقة الجهنمية، ومن جهة أخرى على تقاعس الدولة في تحمّل مسؤولياتها، ومن جهة ثالثة على استمرار الصمت الشيعي إزاء النكبة التي حلّت بهم بسبب الحزب الإيراني.
فالحزب الذي خسر الحرب الأخيرة، وبقي متمسكًا بسلاحه، لا يستطيع أن يتصرف وكأن شيئًا لم يتغير. والدولة التي اتخذت قرارات بحصر السلاح بيدها لا تستطيع أن تعتبر اتخاذ القرار نهاية المهمة. والبيئة التي دفعت أثمانًا هائلة لا تستطيع أن تبقى إلى ما لا نهاية أسيرة الخوف أو الانتظار أو الرهان على الخارج.
ثلاثة رهانات سقطت.
واللبنانيون كانوا يأملون أن يكون أحدها كافيًا لتجنيبهم جولة عنف جديدة. لكن إذا بقي الحزب متمسكًا بسلاحه، وبقي تنفيذ قرارات الدولة متعثرًا، وبقيت البيئة الحاضنة عاجزة عن فرض المراجعة، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحًا ليس ما إذا كان اللبنانيون يريدون الحرب، بل: إلى متى يمكن تأجيل معالجة الأسباب التي تجعل الحرب ممكنة؟
وهذه هي المأساة التي يجب أن تُقرأ جيدًا: الحرب التي بدأت في 8 تشرين الأول لم تُنتج بعد حلًا نهائيًا للمسألة التي قامت بسببها، لأن أصل المشكلة، أي وجود حزب إيراني مسلح خارج الدولة، لم يُحسم. وما لم يُحسم هذا الأصل عسكريًا وسياسيًا وبصورة فعلية، فإن لبنان سيبقى عالقًا بين هدنة وحرب، وبين انسحاب مؤجل وسلاح قائم، وبين دولة تعلن قراراتها وواقع لا تزال فيه هذه القرارات تنتظر التنفيذ.
وهكذا، بدل أن يكون الرهان على الدولة هو الذي ينقذ اللبنانيين من الحرب، يُخشى أن يصبح استمرار الحرب هو الرهان، ويا للأسف، الذي يُعلَّق عليه إنقاذ الدولة من الحالة الشاذة التي عطّلتها.



