من المعاملة إلى الـOnline… جو عيسى الخوري يضيّق باب الرشوة

في لبنان، قد تبدأ مكافحة الفساد أحيانًا من خطوة بسيطة جدًا: أن يتوقف المواطن عن الاضطرار إلى الوقوف أمام مكتب الموظف كي تنجز معاملته.
هذا تحديدًا ما تعمل عليه وزارة الصناعة.
وزير الصناعة جو عيسى الخوري كشف أن خدمة تقديم الطلبات إلكترونيًا ستبدأ بعد نحو أسبوعين، في خطوة يفترض أن تقلّل الاحتكاك المباشر بين صاحب المعاملة والإدارة، وتسرّع الإجراءات، وتحدّ من البيئة التي تنمو فيها الواسطة والرشوة.
لكن أهمية الخطوة أنها ليست إعلانًا طارئًا أو فكرة وُلدت في مقابلة تلفزيونية. فمنذ ربيع 2025، وضع عيسى الخوري مكننة وزارة الصناعة ضمن ورشة إصلاحية أوسع، وأُطلق طلب تقديم عروض بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بهدف رقمنة الملفات، تطوير طريقة العمل داخل الوزارة، وتسهيل معاملات الصناعيين.
واليوم، يبدو أن المشروع ينتقل من مرحلة الخطط إلى مرحلة الخدمة المباشرة.
الفرق كبير.
فالمكننة ليست مجرد تحويل الورقة إلى ملف PDF. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح بإمكان صاحب المصنع أو الشركة تقديم طلبه ومتابعته بطريقة واضحة، من دون الحاجة إلى المرور على سلسلة طويلة من المكاتب، ومن دون أن تبقى سرعة المعاملة مرتبطة بمن يعرف مَن داخل الإدارة.
كل خطوة تقلّل التدخل البشري غير الضروري، تقلّل معها مساحة الاستنساب.
وكل معاملة يمكن تتبعها إلكترونيًا، تجعل السؤال أبسط: متى دخل الطلب؟ أين أصبح؟ لماذا تأخر؟ ومن المسؤول عنه؟
وهنا تصبح الرقمنة أداة محاسبة، لا مجرد خدمة تقنية.
عيسى الخوري كان قد وضع منذ توليه الوزارة مجموعة ملفات تحت عنوان تحديث الإدارة: مكننة الوزارة، إعادة النظر في هيكليتها، رقمنة البيانات، تطوير استراتيجية صناعية، وتسهيل عمل الشركات والمصانع بدل أن تكون الإدارة عبئًا إضافيًا عليها.
وهذه هي الطريقة التي يُبنى بها الإصلاح: ليس بالشعارات الكبيرة وحدها، بل بتغيير طريقة عمل الدولة مع المواطن.
طبعًا، الاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإطلاق. المطلوب أن تعمل المنصة فعلًا، وأن تشمل تدريجيًا أكبر عدد ممكن من المعاملات، وأن يعرف الصناعي مسبقًا المستندات المطلوبة والمهل والرسوم، وأن يتمكن من متابعة ملفه من دون البحث عن واسطة أو “مفتاح” داخل الوزارة.
لكن الوصول إلى مرحلة تحديد موعد قريب لإطلاق الخدمة هو بحد ذاته انتقال مهم من الكلام إلى التنفيذ.
لبنان لا يحتاج فقط إلى الحديث عن مكافحة الفساد.
يحتاج إلى إدارة تجعل الفساد أصعب.
وإذا نجحت تجربة وزارة الصناعة، فالمطلوب ألا تبقى تجربة منفردة، بل أن تصبح نموذجًا لبقية الإدارات: معاملة إلكترونية، مسار واضح، وقت محدد، واحتكاك أقل بين المواطن والموظف.
لأن أفضل طريقة لمحاربة الرشوة ليست فقط ملاحقة من يطلبها.



