عراقجي يريد سيادة لبنان… بشرط أن يبقى سلاح إيران فيه

عباس عراقجي وسيادة لبنان والتناقض بين دعم الدولة اللبنانية واستمرار دعم السلاح خارج مؤسساتها

في الاتصال نفسه الذي تحدّث فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن “صون السيادة الوطنية اللبنانية ووحدة أراضي لبنان”، عاد ليؤكد “الدعم الكامل للمقاومة اللبنانية”. وهنا تختصر طهران، من حيث لا تريد ربما، التناقض الذي لازم سياستها في لبنان لسنوات: تريد سيادة لبنان في مواجهة إسرائيل، لكنها لا تريد سيادته كاملة حين يتعلق الأمر بالسلاح الذي تدعمه داخل أراضيه.

السيادة ليست بندًا انتقائيًا.

لا يمكن لدولة أن تطالب باحترام سيادة لبنان من الخارج، وفي الوقت نفسه تدعم قوة مسلحة داخله خارج مؤسسات الدولة. ولا يمكن الحديث عن وحدة الأراضي والقرار، ثم الإصرار على بقاء سلاح وقرار عسكري موازٍ لسلاح الجيش وقرار الدولة.
إذا كانت إيران فعلًا حريصة على سيادة لبنان، فالاختبار بسيط جدًا: هل تقبل بأن يكون الجيش اللبناني وحده صاحب السلاح الشرعي؟ هل تقبل بأن يكون قرار الحرب والسلم حصريًا في يد الدولة؟ وهل تقبل بأن ينتهي أي ارتباط عسكري أو أمني خارج مؤسساتها؟

إذا كان الجواب نعم، فلتدعم الدولة.

أما إذا كان “دعم لبنان” يعني استمرار دعم “المقاومة” كسلاح مستقل عن الدولة، فالمشكلة ليست في العبارة، بل في معناها الحقيقي. عندها تصبح السيادة بالنسبة إلى طهران سيادة منقوصة: ممنوع على إسرائيل أن تنتهكها، لكن مسموح لإيران أن تحتفظ بنفوذها العسكري والسياسي داخلها.

وهذا هو جوهر الأزمة اللبنانية.

طوال سنوات، قيل للبنانيين إن هذا السلاح موجود لحمايتهم. لكن النتيجة كانت دائمًا واحدة: قرار حرب لا تملكه الدولة، كلفة يدفعها اللبنانيون، ثم تأتي الدولة بعد كل مواجهة لتحصي الخسائر وتفاوض على وقف النار وتبحث عن إعادة الإعمار.
فأي سيادة هذه؟
إذا كانت الدولة لا تملك وحدها قرار الحرب، فهي ليست كاملة السيادة.
إذا كان هناك سلاح خارج الجيش، فهي ليست كاملة السيادة.
وإذا كانت دولة أجنبية تعلن من عاصمتها أنها تدعم هذا السلاح سياسيًا واستراتيجيًا، ثم تقول إنها حريصة على سيادة لبنان، فالتناقض يصبح أوضح من أن يحتاج إلى تفسير.

واللافت أيضًا موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي شكر إيران على “دعمها لبنان”.
هنا أيضًا يجب أن يكون السؤال واضحًا: دعم أي لبنان؟
لبنان الدولة أم لبنان التنظيم؟
لبنان الجيش أم لبنان السلاح الموازي؟
لبنان الذي يقرر من خلال مؤسساته، أم لبنان الذي تبقى فيه طهران شريكًا غير معلن في قرار السلاح والحرب؟

إذا كان المقصود دعم لبنان فعلًا، فالدعم الحقيقي يكون للمؤسسات الشرعية: للجيش، للدولة، لإعادة الإعمار، للاقتصاد، ولحق اللبنانيين في أن يعيشوا خارج الحروب. أما دعم تنظيم مسلح خارج الدولة ثم تسمية ذلك دعمًا للبنان، فهو خلط مقصود بين الوطن وبين طرف سياسي وعسكري فيه.

وهنا تصبح المسألة أبسط بكثير مما يحاول خطاب الممانعة تقديمه.

لبنان لا يحتاج إلى دولة أجنبية تحمي سيادته عبر سلاح غير شرعي.
يحتاج إلى أن تحترم كل الدول سيادته فعلًا، وفي مقدم ذلك أن تترك قراره العسكري والأمني للدولة اللبنانية وحدها.
وإذا كانت إيران تقول إنها تحترم لبنان، فليكن احترامها كاملًا لا انتقائيًا.

لا يكفي أن تقول لإسرائيل: لا تعتدي على لبنان.
يجب أن تقول أيضًا لحلفائها فيه: لا سلاح خارج الدولة، ولا حرب خارج قرارها، ولا ولاء عسكري يتقدم على مؤسساتها.
أما أن تطالب بسيادة لبنان وتصر في الوقت نفسه على دعم سلاح خارج دولته، فهذه ليست سيادة.

هذه وصاية مغلفة بشعار السيادة.

عراقجي يريد سيادة لبنان… نعم، ولكن بشرط أن يبقى سلاح إيران فيه…إيه كيف؟