يا باسيل… ناقش رجّي بالسياسة لا بالشمس

يوسف رجّي وجبران باسيل والخلاف حول السياسة الخارجية وحصرية السلاح ودور الدولة

من حق النائب جبران باسيل أن يختلف مع وزير الخارجية يوسف رجّي، وأن ينتقد أداءه، وأن يعترض على مواقفه في السياسة الخارجية، وأن يسأله عن كل خطوة يقوم بها باسم لبنان. لكن أن يختصر رئيس تيار سياسي خلافه مع وزير الخارجية بالقول إنه “يتشمس” ولا يذهب إلى وزارته، فهذه ليست مساءلة سياسية، بل محاولة لتصغير الرجل بدل مواجهة ما يقوله.

والمشكلة أن يوسف رجّي ليس وزيرًا بلا موقف حتى يبحث باسيل عن مادة شخصية لمهاجمته. رجّي قال بوضوح إن الجيش ومؤسسات الدولة يجب أن تكون المرجعية الوحيدة، وأدان الاعتداءات الإسرائيلية والاحتلال، وتمسك بالدبلوماسية والقرار 1701، وفي الوقت نفسه حمّل الحزب مسؤولية جرّ لبنان إلى حروب مدمرة، ورفع سقف موقفه من التدخل الإيراني. كما شارك في اجتماعات عربية ودبلوماسية وعبّر عن هذه المواقف باسم لبنان.

لذلك، قبل السؤال عن الشمس، هناك أسئلة سياسية أهم بكثير: أي موقف من هذه المواقف يعترض عليه باسيل تحديدًا؟ هل يعترض على حصرية السلاح بيد الدولة؟ هل يختلف مع رجّي عندما يقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون لبنانيًا؟ هل يعتبر أن انتقاد السياسات الإيرانية خطأ؟ أم أن المشكلة أن رجّي يقول بصراحة ما يحاول باسيل منذ سنوات أن يقوله بنصف موقف ونصف اعتراض؟

إذا كان لباسيل خلاف سياسي مع رجّي، فليضعه على الطاولة. أما تحويل النقاش إلى “تشميس” فمفارقة لا تخلو من السخرية، وخصوصًا أن اللبنانيين يتذكرون جيدًا صور وزير الطاقة السابق وليد فياض على البحر وفي المسبح، في مرحلة كان فيها البلد يعيش واحدة من أسوأ أزمات الكهرباء في تاريخه. يومها، كان اللبنانيون يجلسون في العتمة ويدفعون فواتير المولدات، ولم نسمع من باسيل أن الشمس أصبحت معيارًا لقياس أداء الوزير.

فكيف أصبحت اليوم؟

هل يصبح “التشميس” مشكلة فقط عندما يكون الوزير يوسف رجّي؟

وإذا أراد باسيل فعلًا فتح ملف أداء الوزراء، فليفتحه كاملًا، لا انتقائيًا. وليبدأ من الوزارات التي يعرفها أكثر من غيرها، من الطاقة التي تولّاها شخصيًا وكانت لسنوات طويلة في عهدة تياره السياسي، ومن الكهرباء والبواخر والخطط والوعود التي سمعها اللبنانيون مرارًا فيما بقيت النتيجة معروفة للجميع.

لكن الأهم من الطاقة هو أن باسيل نفسه كان وزيرًا للخارجية.

وهنا تصبح دروسه لرجّي أكثر غرابة.

فاللبنانيون يتذكرون المرحلة التي كانت فيها علاقة لبنان بالعالم العربي تمر بأزمات متلاحقة، وكانت مواقف الخارجية اللبنانية في ملفات إيران والحزب تثير اعتراضات عربية حادة. ويتذكرون كيف كان باسيل حريصًا على حماية موقع الحزب داخل المعادلة اللبنانية حتى عندما كانت هذه المواقف تضع لبنان في مواجهة مع محيطه العربي وتزيد عزلته.

يومها لم يكن باسيل وزير خارجية يواجه مشروع السلاح خارج الدولة، بل كان جزءًا من تسوية سياسية منحت هذا السلاح غطاءً واسعًا. ولم يكن يقف على مسافة واحدة بين الدولة والحزب، بل كان تفاهمه معه أحد أعمدة مشروعه السياسي وصعوده إلى السلطة.

واليوم يريد باسيل أن يكون في كل المواقع في الوقت نفسه.

ينتقد الحزب، لكنه لا يقطع معه.

يعلن غضبه منه، ثم يعود إلى الحديث عن التفاهم معه.

يرفع شعار الدولة، لكنه يتردد في قول الجملة الأبسط التي تجعل الدولة دولة: لا سلاح إلا سلاحها، ولا قرار حرب وسلم إلا قرار مؤسساتها.

ثم عندما يأتي وزير خارجية ويقول هذا الكلام بوضوح، بدل أن يناقشه باسيل في السياسة، يبحث له عن شاطئ وشمس.

هذه هي المشكلة.

يوسف رجّي يمكن أن يُنتقد، ويمكن أن يُحاسب، ويمكن أن يخطئ. ليس فوق المساءلة. لكن المساءلة تكون في السياسة والقرار والأداء، لا بالتندر الشخصي.

وباسيل بالذات يجب أن يعرف ذلك، لأنه عندما كان وزيرًا للخارجية لم يكن يقبل أن يُختصر عمله بصورة أو تعليق ساخر، بل كان يطالب بأن يُناقش على أساس خياراته السياسية.

فليمنح رجّي المعيار نفسه.

وإذا كان يعتقد أن سياسة رجّي الخارجية خاطئة، فليقل للبنانيين أين الخطأ: في الدفاع عن الجيش؟ في حصرية السلاح؟ في رفض التدخل الإيراني؟ في إدانة إسرائيل؟ في محاولة إعادة لبنان إلى علاقاته العربية الطبيعية؟

أما إذا كان لا يريد الإجابة عن هذه الأسئلة، فلا مشكلة.

لكن عندها لا يبحث عن الوزير تحت الشمس.

يا باسيل… ناقش رجّي بالسياسة لا بالشمس.