باسيل: أنتم مسؤولون عن كل ما يصيب البلد… وأنتم عن ماذا كنتم مسؤولين؟

خرج جبران باسيل من زحلة ليحمّل الحكومة مسؤولية “كل ما يصيب البلد في الحرب والفتنة وغلاء المعيشة”، وليعدد أمام اللبنانيين ما يعتبره فشلًا في الكهرباء والمحروقات والضرائب والاتصالات والسياسة الاقتصادية. من حقه أن يسأل الحكومة وأن يحاسبها، لكن عندما يكون السائل جبران باسيل تحديدًا، يصبح هناك سؤال لا يمكن القفز فوقه: وأنتم، عن ماذا كنتم مسؤولين؟
لأن باسيل لا يأتي إلى هذه الملفات من خارج التجربة اللبنانية، ولا من مقاعد المعارضة التي لم تذق السلطة يومًا. هو وتياره كانا في قلب الحكم، وفي قلب التسويات، وفي قلب ملف الطاقة تحديدًا لسنوات طويلة. وبالتالي، عندما يسأل اليوم عن الكهرباء وكلفتها، من الطبيعي أن يسأله اللبنانيون عن الكهرباء التي كانت إحدى أبرز عناوين عهده السياسي، وعن المعامل والبواخر والعقود والخطط التي تعاقبت من دون أن يحصل اللبناني في النهاية على كهرباء مستقرة ورخيصة.
وعندما يتحدث عن غلاء المحروقات وكلفة الطاقة، لا يمكن ببساطة شطب المرحلة التي كان فيها هو وتياره أصحاب اليد الطولى في وزارة الطاقة. اللبناني لا يحتاج إلى درس جديد في حجم الأزمة، فهو دفع ثمنها مرتين: مرة لمؤسسة كهرباء لبنان، ومرة للمولد، فيما كانت الخطط والمشاريع والوعود تتوالى. وبالتالي، قبل أن يسأل باسيل الحكومة الحالية ماذا فعلت، من حق الناس أن تسأله ماذا فعل هو عندما كان القرار في يده.
والأمر لا يتوقف عند الكهرباء.
باسيل يريد اليوم أن يظهر في موقع المعارض للحزب، فيقول إن غضبه منه كبير، ثم يعود في الخطاب نفسه إلى الدعوة إلى “تفاهم داخلي” و”استراتيجية دفاعية”، وكأن المشكلة ما زالت سوء تفاهم يحتاج إلى جلسة حوار جديدة. وهنا تحديدًا تظهر سياسة إجر بالبور وإجر بالفلاحة: يعاتب الحزب أمام الإعلام، لكنه لا يصل إلى الخلاصة السياسية الطبيعية التي يفترض أن يصل إليها أي مسؤول يقول إنه يريد دولة فعلية، أي حصرية السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة.
فإما أن يكون السلاح خارج الدولة مشكلة، وإما ألا يكون. وإما أن يكون قرار الحرب والسلم حقًا حصريًا للدولة، وإما أن يبقى الحزب شريكًا في هذا القرار بقوة السلاح. لا يمكن في كل استحقاق أن يكون باسيل مع الدولة في الخطاب، ومع التسوية مع الحزب في الممارسة، ثم يعود ليقدّم نفسه معارضًا عندما يحتاج إلى ذلك سياسيًا.
وهذه الازدواجية ليست جديدة. العلاقة مع الحزب لم تكن تفصيلًا عابرًا في مسيرة باسيل السياسية، بل كانت أحد أعمدة موقعه ونفوذه وتحالفاته على مدى سنوات. واليوم، عندما يقول “لسنا مع إيران ولسنا مع أميركا، نحن مع لبنان”، يصبح السؤال مشروعًا: جميل، ولكن أين كان هذا المعيار عندما كان التيار يوفر الغطاء السياسي لتحالف جعل قرارًا أساسيًا من قرارات الدولة، أي الحرب والسلم، خارج المؤسسات الشرعية؟
لا أحد يمنع باسيل من مراجعة تجربته. بالعكس، المراجعة مطلوبة. لكنه لا يستطيع أن يجمع بين أمرين متناقضين: أن يطلب من اللبنانيين نسيان ما فعله عندما كان في السلطة، وأن يطالبهم في الوقت نفسه بمحاسبة من هم في السلطة اليوم على كل شيء منذ اليوم الأول.
المعارضة ليست ممحاة.
ومن كان في الحكم سنوات طويلة لا يتحول بمجرد انتقاله إلى صفوف المعارضة إلى شاهد بريء على نتائج السياسات التي شارك فيها. من حق باسيل أن يسأل عن الكهرباء، لكن عليه أن يجيب أيضًا عن الكهرباء. من حقه أن ينتقد الخيارات الاقتصادية، لكن عليه أن يتذكر أنه كان جزءًا من سلطة اتخذت خياراتها. ومن حقه أن ينتقد الحزب، لكن عليه أن يحسم أخيرًا ما إذا كان يريد دولة تحتكر السلاح والقرار، أم يريد الاحتفاظ بعلاقة رمادية معه: يعارضه حينًا، ويترك الباب مفتوحًا أمامه حينًا آخر.
جبران باسيل قال للحكومة: “أنتم مسؤولون عن كل ما يصيب البلد.”
حسنًا.
لكن اللبنانيين لديهم أيضًا سؤال واحد بسيط:



