النبطية منزوعة السلاح… الآن

شارل جبّور
طُرح كثيرًا شعار “بيروت منزوعة السلاح”، باعتبار أن العاصمة يجب أن تكون تحت سلطة الدولة اللبنانية، لا تحت سلطة الميليشيا الإيرانية. لكن هذا الشعار، على الرغم من الإلحاح على تطبيقه، بقي شعارًا ولم يتحوّل إلى واقع.
اليوم، ومع التطورات المتسارعة في الجنوب، وسقوط علي الطاهر، وهروب عناصر الحزب الإيراني من المنطقة، وسيطرة الجيش الإسرائيلي عليها، ومع بدء الطوق العسكري الإسرائيلي يطال النبطية، يجب أن يُرفع شعار جديد:
“النبطية منزوعة السلاح”.
لكن هذه المرة لا يجوز أن يبقى الشعار شعارًا. فالنبطية منزوعة السلاح يجب أن تتحوّل إلى قرار يُنفَّذ، وإلى عنوان للمرحلة وللأيام القليلة المقبلة، من أجل تجنيب النبطية وأهلها ويلات الحرب والدمار والخراب والكوارث التي حلّت بعشرات البلدات الجنوبية.
ولا عذر أمام الدولة اللبنانية، التي اتخذت في 5 آب 2025 وفي 2 آذار 2026 قرارات واضحة تقضي بحل التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني ونزع سلاحه، لكنها لم تنفّذ هذه القرارات. واليوم، أمامها فرصة لا يمكن أن تكون أكثر وضوحًا: أن تبدأ التنفيذ من النبطية، التي تشكّل فرصة تاريخية للدولة اللبنانية كي تثبت أنها قادرة على أن تكون دولة فعلية، وأن تقول إن الأمر لها على أرضها، وأن تحمي أهلها قبل فوات الأوان. والأهم أن الدولة لا تواجه رفضًا شعبيًا لهذا التوجه، بل على العكس تمامًا، فإن وجدان أهل النبطية يريد الدولة أن تتصرّف، وأن تتحمّل مسؤوليتها، وأن تفرض سلطتها، وأن تحمي المدينة وأهلها.
وإذا كانت هناك شريحة من الأهالي لا تزال تتردّد في النزول إلى الشارع والمطالبة بإخراج الحزب الإيراني، فالأسباب مفهومة: الخوف من حزب مسلّح قد لا يتردّد في استخدام القوة ضدها، أو انعدام الثقة بأن الدولة قادرة فعلًا على حمايتها، أو الاعتقاد بأن الحزب قد يكون قادرًا على مساعدتها في إعادة إعمار ما تهدّم من منازلها، إلى جانب اعتبارات أخرى كثيرة. لكن هذه الحسابات لا تلغي الحقيقة الأساسية: أهل النبطية يريدون الدولة، والدولة مطالبة اليوم بأن تكون على قدر هذا الانتظار.
ولا توجد لحظة أكثر دقّة من هذه اللحظة لبدء الدولة بتنفيذ قراراتها من النبطية. فإذا لم تنفّذ قرارها في النبطية اليوم، فمتى ستنفّذه؟ وإذا عجزت عن تطبيقه في مدينة يطلب أهلها منها أن تتحمّل مسؤوليتها، فمعنى ذلك أنها لن تطبّقه يومًا. وعندها لا تعود الدولة مجرّد عاجزة عن القيام بواجباتها، بل تصبح شريكة في تحمّل مسؤولية النتائج.
أما الحزب الإيراني، فمن الواضح أنه يفضّل أن يسلّم للإسرائيلي على أن يسلّم للدولة اللبنانية والجيش اللبناني. ويفضّل أن تُدمَّر النبطية على أن يسلّمها سالمة، لأن تسليم النبطية للدولة يعني بالنسبة إليه الاعتراف بانتهاء دوره العسكري فيها، والانسحاب، وبدء “سبحة التسليم” التي ستكرّ بعدها إلى مناطق أخرى. أما أن تدخلها إسرائيل وتدمّرها، فيبقى بالنسبة إليه، في منطقه، “قتالًا” و”مواجهة” يمكن توظيفهما سياسيًا. ولذلك، فإن مصلحته ليست في إنقاذ النبطية، بل في إبقائها رهينة السلاح، حتى لو كان الثمن تدميرها.
وهنا تحديدًا يكمن الامتحان الحقيقي للدولة. فهل تقبل بأن تُترك النبطية لمصيرها، أم تقول بوضوح: الأمر لي؟ النبطية فرصة للدولة كي تكون حازمة وحاسمة. فرصة لتطبيق قراراتها التي لم تُطبَّق. فرصة لتجنيب مدينة وأهلها مصير عشرات البلدات التي دُمّرت. فرصة لإعادة بناء الثقة بين الدولة وأبنائها. وفرصة أيضًا لنزع سلاح الحزب الإيراني بتأييد شيعي واضح.
ولذلك، لا يجوز أن يُضاف شعار “النبطية منزوعة السلاح” إلى شعارات سابقة بقيت معلّقة في الهواء. فالنبطية اليوم ليست شعارًا. النبطية قرار. إنها امتحان الدولة وفرصتها التاريخية للبدء بتطبيق قراراتها، وتفكيك البنى العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، بدعم شيعي واضح، وإنقاذ مدينة وأهلها من مصير بات يقترب منها. فإذا سقطت الدولة في امتحان النبطية، فلن تسقط فقط في أعين أهلها، بل في أعين جميع اللبنانيين.



