باسيل يبرّر للحزب ما لم يكن يملكه أصلًا

يحاول جبران باسيل أن يبرّر انتقاله من التحالف الاستراتيجي مع «الحزب الإيراني» في لبنان إلى القول إن موازين القوى تبدّلت، وإن سلاح الحزب لم يعد قادرًا على الدفاع عن لبنان، وبالتالي حان الوقت لأن تصبح الدولة هي صاحبة السلاح والقرار.
لكن باسيل، في معرض تبريره، يقع في خطأ جوهري: الحزب لم يكن يملك يومًا القدرة على الدفاع عن لبنان، بل كان يدّعي امتلاكها.
فهذا الحزب لم ينشأ أصلًا ضمن مشروع لبناني للدفاع عن لبنان، ولم يكن قراره لبنانيًا، ولا كانت أولويته حماية الدولة اللبنانية. وُجد ضمن مشروع إيراني توسعي، واستُخدم كأداة لهذا المشروع في لبنان والمنطقة، ولذلك فإن اختزال القضية بالقول إن قدرته على الدفاع عن لبنان تراجعت بعد تبدّل موازين القوى هو تبرير لدوره السابق، وليس توصيفًا لحقيقته.
فلنسأل: ماذا فعل هذا السلاح عندما اندلعت حرب تموز 2006؟ عندما خطف الحزب جنديين إسرائيليين، انفجرت الحرب، وتحمّل لبنان نتائج قرار لم تتخذه الدولة. صحيح أن إسرائيل انسحبت لاحقًا في إطار القرار 1701، لكن الحزب احتفظ بسلاحه، واستمر في تسويق نفسه على أنه القوة القادرة على ردع إسرائيل والدفاع عن لبنان.
واليوم، بعد المواجهة الأخيرة، سقطت هذه الرواية سقوطًا مدويًا. فالحزب الذي ادّعى امتلاك القدرة على الردع لم يستطع حماية نفسه. المشكلة إذًا لم تكن أن الحزب كان قادرًا ثم فقد قدرته. المشكلة أنه كان يدّعي امتلاك قدرة على الدفاع لكي يصادر قرار الدولة، ويحتفظ بسلاح خارج مؤسساتها، ويبرّر استمرار دوره كذراع للمشروع الإيراني.
وهنا تحديدًا يُختبر باسيل. إذا كان قد اقتنع بأن مرحلة السلاح خارج الدولة انتهت، فالمطلوب ليس الكلام الدبلوماسي عن «تغيّر موازين القوى»، ولا مخاطبة الحزب بلغة الحليف والشريك، بل قول الحقيقة كاملة: انتهى دور السلاح غير الشرعي، وعليكم تسليم سلاحكم للدولة، لأنكم أوصلتم لبنان إلى الكارثة التي يعيشها اليوم.
أما أن يبقى باسيل حليفًا استراتيجيًا للحزب، ثم يقول إن الظروف تغيّرت وإن الدولة يجب أن تملك السلاح، من دون أن يحمّل الحزب مسؤولية ما جرى، ومن دون أن يطالبه صراحة بتسليم سلاحه، فهذا ليس مراجعة سياسية، بل محاولة للتأقلم مع سقوط مشروع كان شريكًا فيه.
والأكثر وضوحًا أن باسيل لا يزال يتعامل مع الحزب بوصفه حليفًا وشريكًا، فيما يفترض أن يتعامل معه بوصفه جهة مسلحة خارج الدولة انتهى مبرر وجودها.
لقد تغيّرت موازين القوى فعلًا، لكن ما تغيّر ليس فقط قدرة الحزب العسكرية؛ الذي تغيّر هو انكشاف الحقيقة. انكشف أن السلاح لم يكن يومًا للدفاع عن لبنان، وأن القرار لم يكن لبنانيًا، وأن «المقاومة» هي إيرانية الأهداف والتوجُّه، وأن الحزب لم يكن قادرًا على حماية بيئته كما ادّعى، بل كان قادرًا فقط على مصادرة قرار اللبنانيين والزجّ بهم في الحروب الإيرانية.
ولهذا، فإن المطلوب من باسيل ليس أن يشرح للبنانيين لماذا تغيّر موقفه، بل أن يجيب عن سؤال أبسط وأصعب: لماذا تحالف أصلًا مع سلاح لم يكن يومًا لبنانيًا، ولماذا لا يزال، بعد كل ما حصل، عاجزًا عن مطالبة حليفه السابق بتسليم سلاحه للدولة؟
فالمشكلة لم تعد في معرفة أن الحزب فقد قدرته؛ المشكلة في الاعتراف بأنه لم يكن يملكها أصلًا.



