لماذا فشل العيش المشترك في لبنان؟ لأنّه قام على إلغاء الطائفية

العيش المشترك في لبنان ومأسسة التعددية في رؤية شارل جبّور

شارل جبّور

مكابرٌ من يقول إنّ العيش المشترك في لبنان هو فكرة نجحت. فنجاح العيش المشترك لا يُقاس بجمال الشعارات، ولا بتكرار عبارة “لبنان وطن رسالة”، ولا بمجرد استمرار الصيغة اللبنانية على قيد الحياة، بل يُقاس بنتائجها: هل أنتجت دولة حقيقية؟ هل وفّرت الاستقرار؟ هل حصّنت السيادة والاستقلال؟ وهل جعلت الاستثناء هو عدم الاستقرار، بدل أن يكون الاستقرار هو الاستثناء؟
منذ ستين عاماً، والوقائع تقول العكس تماماً. فمنذ منتصف الستينات، دخل لبنان في مسار متواصل من الأزمات والحروب والانهيارات، وتهاوت الدولة تدريجياً، وأصبح الحديث عن استعادة الدولة الفعلية أشبه بحديث دائم عن موعد مؤجّل. وإذا كانت تجربة ما بعد الاستقلال قد صمدت أقل من عشرين عاماً قبل أن تبدأ بالتصدّع، فكيف يمكن اعتبار تجربة امتدت ستة عقود من عدم الاستقرار نجاحاً للعيش المشترك؟
المشكلة ليست في وجود الاستثناءات. فالاستثناء طبيعي في حياة الدول والمجتمعات، ولا يمكن أن تكون أي دولة بمنأى عن الأزمات. المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وعندما يصبح عدم الاستقرار هو الحالة الطبيعية، والاستقرار هو اللحظة العابرة. عندها لا يعود من الجائز الحديث عن نجاح التجربة، بل يصبح واجباً طرح السؤال عن سبب فشلها.

ومن هنا، فإن أولوية الأولويات ليست التمسك بعناوين جميلة ومجرّدة، بل تأمين راحة الإنسان اللبناني ومصلحته، وحمايته من أن يبقى أسير بلد ينتقل من أزمة إلى حرب، ومن حرب إلى تسوية مؤقتة، ومن تسوية إلى أزمة جديدة، ويتنقّل بين حرب ساخنة وأخرى باردة. المواطن يريد دولة مستقرة، وسيادة فعلية، ومؤسسات تحميه، ومستقبلاً يستطيع أن يبنيه، لا أن يبقى متعلقاً بشعارات فضفاضة، فيما مضمونها العملي إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات.

ومن الخطأ، في المقابل، اختزال المسؤولية بالخارج. نعم، دخلت إلى لبنان منذ منتصف الستينات مشاريع إقليمية ودولية كبرى، وكانت لها أدوار أساسية في زعزعة الاستقرار وتدمير الدولة. لكن هذه المشاريع لم تكن لتنجح لولا وجود لبنانيين لاقوها، واحتضنوها، واستخدموها، ووظّفوها، وآمنوا بها فكراً وعقيدة وسياسة ونهجاً. لذلك، فإن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حصل يشكّل محاولة لتخفيف مسؤولية الداخل، فيما المسؤولية اللبنانية تبقى جوهرية وأساسية.

وهنا نصل إلى جوهر الأزمة: لماذا فشل العيش المشترك؟ الجواب يكمن في أنّ العيش المشترك اللبناني بُني، منذ قيام لبنان الكبير، على فكرة انصهارية لا تتلاءم مع طبيعة المجتمع اللبناني. فلبنان، منذ تجربة المتصرفية عام 1861، قام على الاعتراف بتعدّد مكوّناته، وعلى صيغة سياسية تعكس، من فوق، تعددية المجتمع من تحت. لكن مع قيام لبنان الكبير ودستور عام 1926، دخلت إلى صلب الحياة السياسية فكرة إلغاء الطائفية، أي الانتقال تدريجياً من إدارة التعددية إلى محاولة إلغاء مبرراتها، تحت عنوان تحديثي هو المواطنة، فيما كان جوهر هذه المقاربة جعل العدد معياراً حاكماً في الدولة.

وهنا وقعت الإشكالية الأساسية، لأنه لا يستقيم الحديث عن العيش المشترك في ظل السعي إلى إلغاء الطائفية التي تعني إلغاء التعددية التي يقوم عليها المجتمع اللبناني. فإلغاء الطائفية يشكل نقيضاً للعيش المشترك، لأن العيش المشترك هو عيش “من” مع “من، وليس ذوبان “من” في “من”.

العيش المشترك هو تعايش جماعات ومكوّنات متعددة، لا إلغاء إحداها للأخرى ولا ذوبانها فيها. وإذا كان المجتمع اللبناني متعدداً في تركيبته، فإن إلغاء هذه التعددية بالقوة أو بالشعارات لا يؤدي إلى إنتاج مجتمع موحّد، بل إلى إخفاء التناقضات تحت سطح هشّ سرعان ما ينفجر عند أول اختبار كبير.

والدليل أنّ قرناً تقريباً من المحاولات لم يحوّل لبنان إلى مجتمع متجانس، ولم يُلغِ الانتماءات الطائفية، ولم ينتج دولة مستقرة قادرة على إدارة التعددية. فلماذا الاستمرار في مقاربة أثبتت الوقائع محدوديتها؟
المطلوب ليس إلغاء الجماعات اللبنانية، بل تنظيم تعايشها داخل دولة واحدة. هناك مكوّن مسيحي، ومكوّن سنّي، ومكوّن شيعي، ومكوّن درزي، إلى جانب مواطنين لا يرغبون في تعريف أنفسهم طائفياً. هذه حقيقة اجتماعية لا يمكن إلغاؤها بقرار دستوري أو سياسي. والسؤال الصحيح ليس كيف نلغي هذه المكوّنات، بل كيف نحميها من الإلغاء، ونؤمّن حقوقها، ونمنع أي مكوّن من الهيمنة على الآخر، ونحوّل تعدديتها من مصدر صراع إلى مصدر تكامل.
وهذا يقود حكماً إلى ضرورة البحث في نظام سياسي جديد ينسجم مع هذه الحقيقة، ويؤمّن مأسسة التعددية بدلاً من إنكارها. سواء كان ذلك عبر نظام أقاليم أو صيغة فيدرالية أو أي نظام آخر يضمن الشراكة الفعلية، فالمعيار ليس اسم النظام، بل قدرته على تحقيق ثلاثة أهداف أساسية: حماية الجماعات، ومنع الهيمنة، وتأمين دولة واحدة ذات سيادة.

فالعيش المشترك الحقيقي لا يعني أن يتخلى المسيحي عن هويته، ولا أن يتخلى السنّي عن خصوصيته، ولا أن يتخلى الشيعي أو الدرزي عن هويتهما، ولا أن يُطلب من أي جماعة أن تذوب في هوية مصطنعة. العيش المشترك يعني أن يحافظ الجميع على هوياتهم وخصوصياتهم، وأن يختاروا، في الوقت نفسه، العيش معاً ضمن دولة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات واحدة، وسيادة واحدة.
إنّ لبنان لا يحتاج إلى مشروع انصهاري يهدف، تحت عناوين التوحيد وإلغاء الطائفية، إلى إلغاء التعددية. ولا يحتاج إلى مشروع تمدّدي لأي جماعة على حساب الجماعات الأخرى. ما يحتاجه هو الانتقال من الانصهار إلى التكامل، ومن الإلغاء إلى الاعتراف، ومن التنافس على الدولة إلى الشراكة في الدولة. وهذا يستدعي التخلي عن مشروع إلغاء الطائفية، والانتقال إلى مشروع مأسسة التعددية وحماية مكوّناتها، لأن من يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، تحت أي حجة، إنما يرفض عملياً مبدأ العيش المشترك نفسه.

وهنا تحديداً يصبح لفكرة “لبنان وطن رسالة” معنى فعلي، لا مجرد شعار. فرسالة لبنان ليست في أن يثبت أنّه قادر على إلغاء مكوّناته، بل في أن يثبت أنّ جماعات متعددة تستطيع أن تتعايش وتحمي بعضها بعضاً، وأن تتكامل من دون أن تلغي إحداها الأخرى، وأن تبني دولة واحدة من دون أن تتحول هذه الدولة إلى أداة بيد جماعة ضد جماعة.

لذلك، فإن الدفاع الحقيقي عن العيش المشترك يبدأ بالاعتراف بأن الصيغة التي اتُّبعت حتى الآن لم تنجح في تحقيق غايتها. والاعتراف بالفشل ليس هدماً للبنان، بل هو الشرط الأول لإنقاذه.
فالعيش المشترك الذي يفشل في إنتاج دولة واستقرار وسيادة واستقلال طوال ستين عاماً يحتاج إلى مراجعة، لا إلى مكابرة. والمراجعة تبدأ من حقيقة بسيطة: لبنان مجتمع تعددي، والتعددية لا تُلغى، بل تُنظّم. ولا تُذاب، بل تتكامل. ولا تُستخدم للهيمنة، بل تُحمى داخل دولة واحدة.

هذا هو العيش المشترك الذي يستحق أن ندافع عنه. أمّا العيش المشترك الذي يتحول إلى غطاء لمشروع إلغاء الآخر والسيطرة على الدولة، فليس عيشاً مشتركاً، بل وصفة دائمة للفشل، وإبقاء لبنان ساحة تتنقّل بين حرب ساخنة وأخرى باردة.