السفير الأميركي شخّص المرض وقدّم الدواء: هل من يسمع؟

شارل جبّور

شخّص السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى المرض اللبناني، وسمّى المشكلة باسمها، وقدّم الدواء بكلمات بسيطة وواضحة: “أقنعوا حزب الله بأن يسلّم سلاحه، وكل شيء يُحلّ”.
هل من يسمع؟

المشكلة في لبنان هي سلاح الحزب الإيراني. هذا السلاح هو الذي أدخل إسرائيل إلى لبنان، وعندما يُنزع هذا السلاح تخرج إسرائيل من لبنان. قالها السفير الأميركي بوضوح شديد، وباختصار ما بعده اختصار، ومن دون لفّ ولا دوران ولا كفوف ولا أقنعة.

كفى كذبًا ومراوغة. إنّ كل من يطالب بانسحاب إسرائيل أولًا، قبل نزع سلاح الحزب الإيراني، يتحمّل المسؤوليات التالية:
يتحمّل مسؤولية بقاء الجيش الإسرائيلي وتمددّه عسكريًا.
يتحمّل مسؤولية استمرار التهجير والتدمير والتفجير.
يتحمّل مسؤولية بقاء لبنان مأزومًا ماليًا واقتصاديًا وسياسيًا ووطنيًا.
يتحمّل مسؤولية بقاء الدولة في لبنان دولة فاشلة وشكلية وصورية.

إسرائيل انتصرت على الحزب الإيراني، ولا تقول إنّها تريد، مقابل انتصارها في حرب اعتدى عليها فيها هذا الحزب، أن تقضم أرضًا لبنانية، فيما جلّ ما تقوله إنّ لا أطماع لها في لبنان، وإنّها على أهبة الاستعداد للانسحاب عندما يُنزع السلاح الإيراني. ونزع هذا السلاح يقدّم خدمة للدولة اللبنانية أكثر من إسرائيل، لأنّ الأخيرة حققت أمنها، فيما الدولة اللبنانية لن تحقّق سيادتها قبل نزع هذا السلاح نهائيًا.

كل من يطالب بانسحاب إسرائيل أولًا يتجاهل، عمليًا، مصلحة اللبنانيين، لأنه يدرك أن إسرائيل، طالما بقي السلاح الإيراني، لن تخرج، وستواصل عملياتها العسكرية، وتثبيت مواقعها والتقدم ميدانيًا.

والوقائع تقول إنّ إسرائيل تتقدّم استراتيجيًا على حساب مواقع الحزب الإيراني، وتغيّر الوقائع الجغرافية وتثبّت مواقع جديدة. وما يجري في علي الطاهر ليس إلا محطة في هذا المسار. وبعد أن تنتهي من هذه التلة، وستنتهي منها، ستنتقل إلى تلة أخرى ومنطقة أخرى.

وقد نجحت إسرائيل في حماية نفسها من السلاح الإيراني في لبنان، لكن السؤال: متى ينجح لبنان في حماية نفسه من هذا السلاح الذي يستهدف الدولة أولًا، والدستور ثانيًا، والمسيحيين والسنة والدروز والشيعة والملحدين ثالثًا؟

حاول هذا الحزب أن يقنع بيئته طوال عقود بأنّ هذا السلاح يمنحها العزة والكرامة والعنفوان والدور والقوة، وأنّه قادر على تغيير المعادلات وحماية الناس. لكن ماذا كانت النتيجة؟ تهجير، اقتلاع، قتل، تدمير منازل، ونزوح واسع.

لم يسبق أن تعرّض الشيعة في تاريخهم الحديث لما تعرّضوا له نتيجة مشروع الحزب الإيراني في لبنان. البيئة التي قيل لها إنّ السلاح يحميها وجدت نفسها تدفع ثمن هذا السلاح، فيما الحزب يتمسك به من أجل التمسك به، تنفيذًا لأوامر مرجعيته الإيرانية.

لقد اعترف الشيخ نعيم قاسم، في إطلالته أمس في ذكرى ما يسمّيه “انتصار” حرب تموز 2006، فيما هو هُزم عسكريًا، بأنّ ميزان القوى بينهم وبين إسرائيل مختل لمصلحة تل أبيب. فأين المحاسبة الشيعية لمن يقول هذا الكلام؟
ولماذا شننتم الحرب أصلًا، طالما تدركون أنّ ميزان القوى مختل؟
وهل يُعقل أن يخوض فريق حربًا وهو يعرف مسبقًا أنّ لا توازن قوى لمصلحته؟
ماذا أعطى الشيعة غير الموت والدمار والتهجير؟
ماذا حمى، وهو لم يتمكّن من حماية أمينه العام ولا معظم صفوف قياداته؟
ماذا حقّق غير الهزيمة والفشل والدمار؟
هل يُعقل أن يكون لأبو عمار قلب على بيروت وأهل بيروت، فيما لا قلب للحزب الإيراني على بيئته التي احتضنته؟
عندما أدرك أبو عمار أنّ إسرائيل انتصرت، خرج من بيروت. واليوم، بعدما انتصرت إسرائيل، فإنّ كل يوم تأخير في تسليم السلاح هو جريمة يرتكبها الحزب الإيراني بحق بيئته أولًا.

أما مفتاح الحل، فهو واضح ولا يحتاج إلى فلسفة: إما أن يسلّم الحزب الإيراني سلاحه للدولة، وإما أن يُنزع منه السلاح. وما لم يحصل ذلك، فإنّ الحرب ستستمر. وإسرائيل لن تكون في وارد الانسحاب ما دام السبب الذي أدخلها إلى لبنان لا يزال قائمًا. والمشكلة هنا هي في الدولة اللبنانية التي لا تزال تتردّد في تنفيذ دستورها، وفرض سيادتها، واحتكارها للسلاح، ولا تزال عاجزة عن تحويل الكلام والقرارات إلى فعل.

وهنا تحديدًا، يجب أن يكون خطاب الدولة هو نفسه خطاب السفير عيسى. يجب أن تقول الدولة اللبنانية لـ”حزب الله” بوضوح:
سلّم سلاحك، تتحمّل الدولة مسؤولياتها.
سلّم سلاحك، تنتهي الأزمة.
سلّم سلاحك، يعود المهجّرون والأسرى وتبدأ ورشة الإعمار.
سلّم سلاحك، تخرج إسرائيل.
سلّم سلاحك، ويبدأ لبنان باستعادة سيادته.
هذا هو الدواء.

السفير عيسى شخّص المرض وقدّم العلاج. لم يعقّد المسألة، ولم يغرقها في الشعارات الفارغة والمصطلحات الفضفاضة. قال ببساطة إنّ المشكلة هي السلاح الإيراني، وإنّ الحل يبدأ بتسليمه.

فهل تسمع الدولة، التي لا تزال تردّد شعارات ومواقف خشبية من قبيل وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل وغيرهما، فيما لا النار توقّفت ولن تتوقّف، ولا إسرائيل انسحبت ولن تنسحب؟

كفاكم مسايرة وهدرًا للوقت. المدخل الوحيد لإنهاء الحرب هو نزع سلاح الحزب الإيراني وحلّ تنظيمه المسلّح. المطلوب اليوم أن يصبح خطاب السفير الأميركي ميشال عيسى خطاب الدولة اللبنانية نفسها، لأنّ مفتاح الحل موجود أمامنا، وبأبسط الكلمات: سلّموا السلاح، يبدأ الحل، فهل من يسمع من أركان الدولة؟