واشنطن تدفع وروما تنتظر… الجنوب بين التفاوض والانفجار

الموجز الإعلامي اليومي | 15 آب 2026

دخل الضغط الأميركي على خط الجنوب بصورة أكثر وضوحاً، مع جولة جديدة للجنرال جوزف كليرفيلد والسفير الأميركي ميشال عيسى بين السرايا وعين التينة والديمان، وإعلان عيسى أن الأجواء إيجابية وأن مفاوضات روما ستُستكمل رغم عدم تحديد موعدها بعد. لكن هذا التفاؤل الدبلوماسي يصطدم بواقع ميداني مختلف: لا اتفاق حتى الآن على منطقة تجريبية جديدة، ولا حسم لآلية التحقق، فيما يستمر القصف والتجريف ويقترب ملف علي الطاهر من نقطة شديدة الخطورة. التقرير المرسل مؤرخ السبت 15 آب 2026.

الضغط الأميركي يعيد تحريك مسار روما

تركز التحرك الأميركي على ثلاث مسائل مترابطة: تحديد المناطق التجريبية المقبلة، وضع آلية تحقق قابلة للتطبيق، وتحديد الطريقة التي ستراقب بها واشنطن تنفيذ هذه الآلية من دون نشر قوات أميركية مباشرة على الأرض.

وعاد كليرفيلد من إسرائيل إلى بيروت قبل أن يلتقي رئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، فيما أكد عيسى بعد لقاء عين التينة أن المفاوضات مستمرة والأجواء إيجابية. وفي المقابل، شدد سلام على ثلاثة مطالب لبنانية: وقف عمليات التدمير، توسيع المناطق التجريبية، ووضع جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي.

لكن الضغط الأميركي لم ينتج حتى الآن موافقة إسرائيلية على منطقة جديدة، ما يجعل التحرك أقرب إلى محاولة إعادة تشغيل المسار ومنع انهياره من كونه اختراقاً نهائياً.

خمس دول مطروحة للتحقق… ولا اتفاق نهائياً

تحدثت التغطيات عن خمس دول يجري بحث مشاركتها في مهمة التحقق:

بريطانيا، إيطاليا، سويسرا، كندا وأذربيجان.

لكن من المهم التمييز بين الطرح والاتفاق. فالسفير الأميركي أكد وجود لائحة دول تجري الاتصالات معها، لكنه قال إن أي دولة لم تُحسم حتى الآن، كما أن واشنطن لا تريد إرسال قواتها إلى الأرض بل متابعة التنفيذ عبر آليات يجري الاتفاق عليها.

وبالتالي، لا توجد حتى الآن «لجنة تحقق» نهائية، بل مرحلة تفاوض على تركيبتها وصلاحياتها.

والسؤال الأهم سيبقى: هل تقتصر مهمتها على مراقبة انتشار الجيش، أم تمتد إلى عمليات تفتيش ومراقبة داخل القرى؟ هنا يجب أن يبقى القانون والسيادة اللبنانيان المرجع الأساسي.

واشنطن لبري: التنفيذ لا التعهدات

أبرزت بعض الصحف أن جانباً من الضغط الأميركي يتركز على الرئيس نبيه بري، باعتباره الشخصية القادرة على التواصل سياسياً مع البيئة الشيعية والمساهمة في توفير مخرج داخلي لملف السلاح.

ونقلت «نداء الوطن» عن مصدر دبلوماسي أن المطلوب لم يعد الاكتفاء بالتعهدات السياسية، بل الانتقال إلى خطوات عملية وقابلة للقياس في ملف حصرية السلاح. كما اعتبر المصدر أن استمرار إدارة الملف بالطريقة نفسها قد يضاعف الضغوط الخارجية ويضيّق هامش مناورة الدولة.

في المقابل، تمسك بري بموقفه المعروف: مفتاح الاستقرار يبدأ بإلزام إسرائيل وقف اعتداءاتها والانسحاب إلى الحدود الدولية.

وهكذا يستمر الخلاف حول ترتيب التنفيذ: واشنطن تريد تقدماً لبنانياً في السلاح، وبيروت تطالب أولاً بنتائج إسرائيلية واضحة.

علي الطاهر… السباق الأخطر

تتحول تلال علي الطاهر إلى العقدة الأكثر خطورة في المرحلة الحالية.

استمر القصف الإسرائيلي للمنطقة وإلقاء مواد متفجرة عليها، بالتزامن مع تفجيرات في مركبا وكونين وبنت جبيل واعتداءات في المنصوري وبني حيان وكفرا وغيرها.

وتتحدث تقارير عدة عن استعداد إسرائيلي لعملية واسعة للسيطرة على التلال أو تدمير المنشآت التي تقول إسرائيل إنها موجودة تحتها.

لكن يجب التعامل بحذر شديد مع تفاصيل الأنفاق، أعداد المسلحين، وطبيعة المنشآت. جزء كبير من هذه المعلومات مصدره تقديرات أمنية وصحافة إسرائيلية أو لبنانية، ولا يوجد في الملف بيان رسمي لبناني مستقل يثبت كامل الرواية.

المؤكد فقط أن علي الطاهر أصبحت مركز ضغط عسكري حقيقياً وأن أي عملية واسعة فيها قد تنسف التهدئة وتفتح باب مواجهة أكبر.

التفاوض مقابل التصعيد

المشهد اليوم يقوم على سباق بين مسارين.

الأول هو الضغط الأميركي لإبقاء «صيغة الإطار» حية وإعادة الوفود إلى روما.

والثاني هو التصعيد الإسرائيلي على الأرض، حيث تستمر عمليات الهدم والتوغل والقصف بالتزامن مع الحديث عن انسحاب مستقبلي.

وتذهب بعض التحليلات إلى أن نتنياهو ليس مستعداً قبل الانتخابات الإسرائيلية لتقديم تنازلات يمكن لخصومه تقديمها كضعف، وأن المناطق التجريبية تمنحه مساحة للمماطلة وإبقاء الضغط العسكري قائماً.

ولهذا يصبح السؤال أقل ارتباطاً بموعد الجولة المقبلة وأكثر ارتباطاً بما إذا كانت واشنطن تستطيع تغيير الواقع الميداني قبلها.

عون: السيادة لا تكتمل بنصف معادلة

قدمت «الجمهورية» مقاربة للموقف الرئاسي تقوم على معادلة ثلاثية: لا شرعية لسلاح خارج الدولة، ولا استقرار في ظل الاحتلال، ولا جدوى من التفاوض إذا لم يؤدِ إلى استعادة الأرض وتعزيز الجيش.

وهي المعادلة الأكثر توازناً للخروج من الحلقة الحالية.

فإذا أصبح السلاح شرطاً مفتوحاً يسمح لإسرائيل بالبقاء، تتحول المفاوضات إلى غطاء للاحتلال. وإذا أصبح الاحتلال حجة لبقاء السلاح إلى ما لا نهاية، تبقى الدولة عاجزة عن استعادة قرارها.

المطلوب تنفيذ متزامن: انسحاب، انتشار للجيش، حصرية للسلاح، وضمانات تمنع العودة إلى الحرب.

خطاب نعيم قاسم يرفع منسوب المواجهة الداخلية

في ذكرى حرب تموز 2006، شن الشيخ نعيم قاسم هجوماً حاداً على «صيغة الإطار» والمسار التفاوضي، معتبراً أن المفاوضات فشلت وأنها تضع لبنان تحت الوصاية الأميركية.

كما دعا جمهوره إلى «اختزان الغضب» إلى حين الوقت المناسب، مستخدماً لغة اعتبرتها بعض الصحف تهديداً ضمنياً بانفجار هذا الغضب مستقبلاً.

هذه النبرة تزيد صعوبة المرحلة، لأن لبنان يحتاج إلى حوار داخلي يؤدي إلى حصرية السلاح من دون مواجهة أهلية.

فالخلاف السياسي مشروع، لكن القرار العسكري لا يمكن أن يبقى موزعاً بين الدولة وأطراف أخرى، ولا يمكن كذلك معالجة هذا الملف بمنطق الاستفزاز أو دفع البلد إلى صدام داخلي.

جعجع والجميل: المشكلة في السلاح والقرار السياسي

في المقابل، حمّل سمير جعجع السلطة السياسية مسؤولية تعثر تنفيذ التفاهمات، معتبراً أن الجيش لا يتحمل مسؤولية عدم إحراز تقدم في ملف السلاح، بينما اعتبر سامي الجميل أن إنهاء السلاح خارج الدولة يشكل المدخل الأساسي لاستعادة السيادة وبناء الاقتصاد والاستقرار.

وتكشف هذه المواقف أن المعركة الداخلية لم تعد حول مبدأ الدولة بقدر ما أصبحت حول كيفية ووتيرة الوصول إليها.

المطلوب أن لا يتحول الدعم لحصرية السلاح إلى إعفاء إسرائيل من واجب الانسحاب، ولا أن يتحول رفض الاحتلال إلى تعطيل دائم لبسط سلطة الدولة.

الجنوب يتحول إلى أرض يصعب إعادتها إلى الحياة

أحد أكثر ما ورد في التقرير خطورة هو ما نُسب إلى تقرير أممي عن حجم التدمير جنوب الليطاني.

وتحدث التقرير، وفق المادة المنشورة، عن مناطق تعرضت لدمار عمراني وبيئي واسع، وعن تحصينات ومواقع عسكرية إسرائيلية جديدة قد لا تعكس استعداداً سريعاً للانسحاب.

حتى لو تحقق الانسحاب، فإن المشكلة أصبحت أعمق من استعادة الأرض عسكرياً.

هناك قرى تحتاج إلى إعادة بناء المياه والكهرباء والطرقات والمنازل والأراضي الزراعية ومرافق التعليم والصحة. وكل شهر إضافي من التدمير يرفع كلفة العودة ويجعل تثبيت السكان أكثر صعوبة.

إعادة إعمار النبطية تبدأ من تثبيت الناس

في مقابل صورة الدمار، برزت خطوة حكومية لمتابعة إعادة إعمار مدينة النبطية، حيث عقد رئيس الحكومة اجتماعاً خصص للنهوض بالمدينة باعتبارها مركزاً للمحافظة وحاضرة أساسية لجبل عامل، وربط إعادة الإعمار بتثبيت عودة الأهالي إلى الجنوب.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن السيادة لا تُقاس فقط بانتشار الجيش.

الدولة تستعيد الأرض فعلياً عندما يستطيع السكان العودة إليها والعمل والدراسة والحصول على الخدمات فيها.

«اليونيفيل»… تحذير من الفراغ الدولي

عاد مستقبل «اليونيفيل» إلى الواجهة، مع تأكيد القوة الدولية أهمية استمرار وجودها، ودعوة «هيومن رايتس ووتش» الأمم المتحدة إلى عدم إنهاء المهمة من دون وجود قوة دولية بديلة قادرة على حماية المدنيين.

ويكتسب الملف حساسية إضافية في ظل البحث عن آلية تحقق جديدة.

فإنهاء «اليونيفيل» قبل بلورة بديل واضح قد يخلق فراغاً ميدانياً في لحظة لا تزال فيها الحدود الجنوبية تحت ضغط عسكري شديد.

تسريبات عن أسر جنود… بلا أي إثبات مستقل

تضمن التقرير تسريبات تزعم وجود جنود إسرائيليين أسرى لدى الحزب، مع تداول أرقام عن قتيل وأربعة أحياء.

لكن التقرير نفسه يشدد على عدم وجود تأكيد مستقل لهذه المعلومات.

ولذلك لا يجوز إعادة نشرها كخبر ثابت.

إذا ثبتت لاحقاً، ستكون لها تداعيات كبيرة على التفاوض والميدان، لكن حتى ذلك الوقت تبقى تسريباً غير محسوم يجب التعامل معه بحذر شديد.

ما بعد العفو… الملف لم يُقفل

استمر الجدل حول قانون العفو العام بعد إقراره، خصوصاً لناحية حقوق شهداء الجيش وموقف المؤسسة العسكرية.

في المقابل، برز موقف الشيخ محمد صبلوح الذي اعتبر أن موقف «القوات اللبنانية» ساهم في إنقاذ القانون وتوحيد موقف النواب السنّة وتحويل القضية إلى مبادرة أوسع، مع مطالبته في الوقت نفسه بمحاسبة المسؤولين الحقيقيين عن دماء العسكريين.

وهذا يعكس أن إقرار القانون لم ينهِ المعركة السياسية أو القضائية حول تطبيقه، وأن النقاش سينتقل الآن من النص إلى الحالات الفردية وحقوق الضحايا.

أول ملف استرداد مرتبط باتهامات تعذيب في سوريا

قضائياً، تناول التقرير ملف ضابط سوري مطلوب بموجب مذكرة مرتبطة باتهامات بالتعذيب، فيما تدرس النيابة العامة التمييزية طلب الاسترداد وفق اتفاقية التعاون القضائي اللبنانية–السورية.

وبحسب المصدر القضائي، نفى الضابط الاتهامات المتعلقة بالقتل، فيما أقر بأن قوة كان يقودها تعاونت في مهمات مع المخابرات السورية بناءً على أوامر عسكرية. ومن المتوقع أن يبت القضاء اللبناني طلب الاسترداد مطلع الأسبوع.

وهذه مرحلة قضائية أولية، وليست حكماً بالإدانة أو قراراً نهائياً بالتسليم.

والاختبار هنا هو تطبيق قواعد الاسترداد وضمانات المحاكمة بصورة قانونية، بعيداً من الحسابات السياسية بين بيروت ودمشق.

الديمان… رسالة سلام واحدة

بعد جولته السياسية، انتقل السفير الأميركي إلى الديمان والتقى البطريرك بشارة الراعي.

وركز اللقاء على الاستقرار والحوار وحماية لبنان من تداعيات الأزمات، فيما قال عيسى إن الرسالة التي يحملها واحدة لكل اللبنانيين وهدفها عودة السلام إلى البلاد.

رمزية الزيارة لافتة في عيد انتقال السيدة العذراء، لكنها تبقى جزءاً من حراك دبلوماسي أوسع يسعى إلى إعطاء التحرك الأميركي غطاءً سياسياً ومجتمعياً وليس أمنياً فقط.

التحالفات الإقليمية… فرصة للبنان لا دعوة إلى محور جديد

تناولت التحليلات ما وصفته بـ«فوضى التحالفات» الإقليمية والدولية، من التفاهمات الدفاعية الجديدة إلى تبدل العلاقات بين واشنطن وطهران والرياض وأنقرة وإسلام آباد.

والخلاصة الأكثر ارتباطاً بلبنان هي أن الدعم الخارجي الحالي ليس مضموناً إلى ما لا نهاية، وأن بيروت يجب أن تستفيد من اللحظة لإنتاج ملف لبناني مستقل، لا أن تبقى ورقة مرتبطة بملفات إيران أو غزة أو غيرهما.

وهذه النقطة أساسية: لبنان لا يحتاج إلى الانضمام إلى محور جديد بقدر حاجته إلى استخدام شبكة علاقاته لحماية الجيش والحدود وإعادة الإعمار.

خلاصة المشهد

الرسالة الأميركية اليوم أكثر وضوحاً: روما لم تمت، لكن العودة إليها مرتبطة بالتنفيذ.

واشنطن تحاول تحريك المناطق التجريبية وآلية التحقق، وتضغط على الداخل اللبناني في ملف حصرية السلاح، لكنها في الوقت نفسه لا تزال أمام الامتحان الأصعب: هل تستطيع إلزام إسرائيل بوقف التدمير والانتقال فعلاً إلى انسحاب جديد؟

وفي علي الطاهر، الوقت يضيق. فكل يوم من التصعيد يجعل احتمال تحوّل العقدة المحلية إلى مواجهة أكبر أكثر جدية.

أما داخلياً، فالمعادلة لا تحتمل أنصاف الحلول. الدولة لا تستطيع استعادة سيادتها إذا بقي القرار العسكري خارجها، كما لا تستطيع طلب تسليم السلاح فيما تبقى الأرض تحت الاحتلال والنار.

المطلوب ليس أن ينتصر طرف داخلي على آخر، بل أن تنتصر الدولة: انسحاب إسرائيلي، جيش واحد، قرار واحد، وعودة آمنة للأهالي إلى أرض قابلة للحياة.