قوة الدولة من قوة جيشها، وضعف الدولة من ضعف جيشها.

شارل جبّور

من لا يتذكّر القول الشهير لحافظ الأسد إنّ الطبقة السياسية في لبنان لا يمكن الوثوق بها؟ كان يعطي مثالًا على ذلك بأنّ مجلس النواب نفسه الذي وافق على اتفاق 17 أيار هو الذي عاد وألغاه، مستنتجًا أنّ هذه الطبقة تتحرّك وفق موازين القوة، وتتبدّل مواقفها وأهواؤها بتبدّل هذه الموازين. هذه الفكرة كانت في صلب المشروع الأسدي في لبنان: إذا كانت الطبقة السياسية قابلة للتبدّل، فلا بدّ من تثبيت واقع سياسي وأمني لا يتبدّل بتبدّل موازين القوى الخارجية. ومن هنا جاء العمل على بناء منظومة تمسك بمفاصل لبنان، لا عبر المؤسسات الدستورية وحدها، بل عبر قوة عسكرية وأمنية وسياسية ثابتة، تكون قادرة على فرض اتجاه البلد مهما تبدّلت التحالفات السياسية.

وهذا ما استكمله الحزب الإيراني في لبنان. فقد قامت المنظومة التي رعاها حافظ الأسد ثم كرّسها بشار الأسد على معادلة مزدوجة: ثنائية شيعية مرتبطة بإيران من جهة، وغطاء مسيحي-ماروني مرتبط بالمشروع الأسدي من جهة أخرى. ومع الوقت، تحوّلت هذه المعادلة إلى منظومة متكاملة، قوامها ميليشيا مسلّحة فعلية، ودور شكلي للجيش اللبناني.

فالأسد، الذي قام حكمه في سوريا في مواجهة الأكثرية السنّية، دخل إلى لبنان ليس فقط تحقيقًا لأطماعه التوسعية، بل أيضًا منعًا لتأثير صعود القوة السنّية مع أبي عمار في حكمه في سوريا. وبالتالي، أراد في كل وقت ضرب الخط المسيحي اللبناني وتحجيم السنّة في لبنان، وعمل على حكم لبنان من خلال شيعية إيرانية مسلّحة، بغطاء مسيحي شكلي، بدأه مع إميل لحود، واستكمله حسن نصرالله مع ميشال عون: ثنائية شيعية فعلية ومسيحية شكلية تُبقي لبنان رهينة الممانعة.

ومعلوم أنّه يستحيل وضع اليد على لبنان من دون تعطيل دور الجيش اللبناني. وهذا ما حصل مع تعطيل دوره منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. ويستحيل زرع أداة إيرانية بحجة ما يُسمّى “مقاومة” من دون مصادرة دور الجيش، ويستحيل الحفاظ على هذا الواقع من دون البحث عن شخصيات تستخدم الجيش في المزايدات وتعطّل دوره على أرض الواقع.

والأسد الأب كانت لديه عقدة من الجيش اللبناني، لأنه كان العقبة أمام مشروع سيطرته على لبنان. فالمؤسسة العسكرية هي شرف لبنان، وهي المؤسسة التي كان يمكن، لو لم تُشلّ وتُفرَّغ من دورها، أن تحول دون انهيار الدولة واندلاع الحرب اللبنانية. إنّ الدفاع عن الجيش اللبناني لا يكون بالشعارات ولا بالمزايدات. الدفاع الحقيقي عن الجيش هو إعادة دوره الفعلي إليه. وليس المطلوب جيشًا يرفع شعار “الجيش هو الحل”، بل جيشًا يكون الأداة الأساسية بيد السلطة السياسية الشرعية لحماية الدولة ومؤسساتها وسيادتها واستقلالها وحدودها.

لقد وضع نواف سلام، من خلال المسار الذي بدأه، حدًا لمحاولات المزايدة باسم الجيش لتغطية استمرار ازدواجية السلاح. فالمعادلة الحقيقية بسيطة وواضحة: قوة الدولة من قوة جيشها، وضعف الدولة من ضعف جيشها. وقوة الجيش لا تُقاس بعدد الشعارات التي تُرفع باسمه، بل بقدرته على القيام بدوره الدستوري والوطني. وهذا الدور يبدأ من قاعدة واحدة لا تحتمل الالتفاف: لا سلاح خارج إطار الدولة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج مؤسساتها، ولا ازدواجية عسكرية على الأرض اللبنانية. والجيش لا يصبح قويًا عندما يُستخدم في شعارات من قبيل “جيش وشعب ومقاومة”، بل عندما يصبح هو المؤتمن الوحيد على السيادة، والحارس الوحيد للحدود، والأداة الشرعية الوحيدة للدفاع عن لبنان.

وإذا أردنا أن نفهم الصراع اللبناني منذ عقود، فعلينا ألا ننسى هذه الحقيقة: من صادر دور الجيش صادر عمليًا دور الدولة. صادر حافظ الأسد دور الجيش، وصادر بشار الأسد دوره، وصادر حسن نصرالله دوره، وصادر الحزب الإيراني في لبنان دوره. وساهم في تغطية هذه المصادرة كل من زايد باسم الجيش، فيما لم يواجه فعليًا ازدواجية السلاح، ولم يعترض على وجود ميليشيا إيرانية مسلّحة خارج الدولة، بل دافع عن الأداة الإيرانية المسمّاة “مقاومة” على حساب الدولة والجيش ودوره وكرامته.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية “القوات اللبنانية” في هذه المعادلة. فالقوات اختارت، منذ اتفاق الطائف، أن تذهب في اتجاه بناء دولة المؤسسات، وأن تتحالف مع شركائها الحقيقيين في لبنان، سنّةً ودروزًا وشيعةً ومسيحيين، ممن يريدون لبنان دولة فعلية وحقيقية. وفي انتفاضة الاستقلال، عادت والتقت بكل من أراد استعادة القرار اللبناني من الاحتلال الأسدي ومنظومة السلاح الخارج عن الدولة.

ولذلك رفضت “القوات”، في جوهر موقفها، المعادلة الأسدية والمعادلة الإيرانية: معادلة حكم لبنان من خلال ميليشيا إيرانية فعلية، وجيش شكلي، وقوى سياسية مسيحية وغير مسيحية تقايض نفوذها وسلطتها بتغطية هذه المعادلة وللاحتلالين الأسدي والإيراني. ومن صادر دور الجيش اللبناني هو نفسه من استهدف “القوات اللبنانية” وحاول إلغاء دورها، لأنها كانت أول من تصدّى لمعادلة الأسد التي ورثها عنه الحزب الإيراني: قوة عسكرية خارج الدولة، ودولة عاجزة عن ممارسة كامل صلاحياتها.

الجيش اللبناني لا يحتاج إلى من يتغنّى به، بل يحتاج إلى من يعيد إليه دوره المصادَر من الحزب الإيراني. والدولة لا تحتاج إلى من يرفع شعار سيادتها، بل تحتاج إلى من يمكّنها من ممارسة سيادتها المنتهكة من الحزب الإيراني. ولبنان لا يحتاج إلى قوة فوق الدولة تحمي الدولة، بل إلى دولة قوية يحميها جيشها.

قوة الدولة من قوة جيشها. وضعف الدولة من ضعف جيشها. والجيش يكون قويًا عندما يكون سلاحه هو السلاح الشرعي الوحيد، وقراره جزءًا من القرار الوطني الواحد، ودوره محصورًا في حماية لبنان، تنفيذًا لقرارات السلطة التنفيذية. وهذه المعركة في جوهرها، ليست معركة على الجيش، بل معركة من أجل أن يستعيد الجيش دوره الفعلي المصادر من الحزب الإيراني. وليست معركة على الدولة، بل معركة من أجل أن تستعيد الدولة دورها الفعلي والحقيقي المصادر من الحزب الإيراني.