قالت أوساط سياسية إن محاولة الزجّ بالجيش اللبناني في النقاش حول قانون العفو محاولة مكشوفة، ولا سيما عندما تأتي ممن صادروا دور المؤسسة العسكرية وقرارها لعقود.
فمن وقّع وثيقة 6 شباط 2006، ومن صادر قرار الجيش اللبناني ومنعه من ممارسة دوره الكامل في بسط سيادة الدولة، لا يحق له اليوم أن يتحدّث باسم المؤسسة العسكرية. ومن يمنع الجيش من تولّي مسؤولياته في حماية الحدود وحراسة الوطن، ويتمسّك في المقابل بسلاحه غير الشرعي، السلاح الإيراني، في ظل ازدواجية السلاح والقرار، لا يحق له أن يزايد على الجيش أو أن يدّعي الحرص عليه.
المشكلة الأساسية ليست في الجيش، بل في مصادرة دور الجيش. فالدولة التي تريد جيشًا واحدًا، وسلاحًا واحدًا، وقرارًا أمنيًا وعسكريًا واحدًا، لا يمكن اتهامها بأنها تستهدف المؤسسة العسكرية. على العكس، من يريد للجيش أن يكون صاحب السلاح والأمرة على الأرض هو من يعيد الاعتبار إلى المؤسسة العسكرية ودورها الطبيعي.
أما الأخطر، فهو محاولة افتعال مواجهات بين الجيش ومجموعات إسلامية، عن سابق تصوّر وتصميم، بهدف تصوير الأمر وكأنه مواجهة بين الجيش والسنّة أو بين المؤسسة العسكرية والبيئة الإسلامية. وهذه لعبة سياسية خطرة، لأن من لا يريد الذهاب إلى مواجهة سنّية-شيعية قد يحاول دفع الجيش إلى الواجهة، واستخدامه في مواجهة الإسلاميين، ثم تقديم نفسه على أنه المدافع عن المؤسسة العسكرية.
لكن الوقائع لا تسمح بقلب الأدوار. فمن خرج للقتال في سوريا، ومن شارك في 7 أيار، ومن استخدم سلاحه في الداخل، ومن غطّى السلاح الإيراني في لبنان، هو الذي شكّل الخطر الفعلي على دور الجيش وسيادة الدولة. أما من يطالب بأن يكون الجيش اللبناني وحده صاحب السلاح والقرار، فلا يمكن وضعه في خانة من يستهدف المؤسسة العسكرية.
وفي قانون العفو، هناك سلطة تنفيذية اتخذت قرارًا واضحًا بطيّ صفحة مرحلة سياسية وأمنية باتت من الماضي. فهؤلاء الموقوفون، ولا سيما الذين ارتبطت ملفاتهم بمرحلة نظام بشار الأسد في سوريا، يجب النظر إلى قضاياهم في ضوء التحولات الكبرى التي حصلت في سوريا والمنطقة. ومع سقوط الأسد وانتهاء المرحلة التي أنتجت جزءًا من هذه الملفات، يصبح من الطبيعي أن تُعاد مراجعة هذه القضايا بعيداً من الحسابات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة.
المطلوب اليوم ليس استخدام الجيش في تصفية الحسابات، بل تحرير الجيش من كل وصاية، وإعادته إلى موقعه الطبيعي: حارسًا للحدود، وحاميًا للوطن، وصاحب السلاح والقرار على كامل الأراضي اللبنانية.




