شارل جبّور
يجسّد قانون العفو، وتحديدًا ما يتصل بإطلاق الموقوفين الإسلاميين، جوهر المعادلة التي تحكم التغيير السياسي: لا الخارج وحده يكفي، ولا الداخل وحده قادر على تحقيق التحولات الكبرى. إنما يتحقق التغيير عندما تتضافر عوامل الخارج مع عوامل الداخل، وتتقاطع في لحظة سياسية مؤاتية.
ولعل تجربة إطلاق الموقوفين الإسلاميين تشكّل درسًا أساسيًا في هذا المجال. فلو بقي نظام بشار الأسد في سوريا، لما كان من الممكن إطلاق هؤلاء الموقوفين، الذين دخلوا السجون على خلفية قتال النظام السوري السابق أو مواجهة حلفائه، وفي طليعتهم الحزب الإيراني في لبنان، الذي كان وراء زجّهم في السجون. لكن سقوط الأسد ووصول النظام الذي قاتلوا من أجله، والذي هو أقرب إلى وجدانهم وخياراتهم السياسية، شكّلا عاملًا إقليميًا أساسيًا. لقد سقط النظام الذي كان أحد أسباب مأساتهم، ووصل إلى الحكم نظام الرئيس أحمد الشرع، الذي يمثل بالنسبة إليهم النظام الذي ناصروا قيامه.
هذا العامل الخارجي كان ضروريًا وأساسيًا، لكنه لم يكن كافيًا. فلو لم يتغيّر المشهد الداخلي اللبناني، ولو بقيت أكثرية نيابية مطلقة في يد فريق الممانعة، لما كان إطلاق الموقوفين الإسلاميين ممكنًا. الانتخابات النيابية أنتجت توازنات جديدة، وسمحت لقوى سياسية بتشكيل حضور وازن داخل المجلس النيابي، بما جعل تحقيق هذا الهدف ممكنًا.
وهنا تبرز أهمية توحّد الأكثرية السنّية النيابية. فلو بقيت هذه الأكثرية مخترقة أو موزعة لمصلحة الحزب الإيراني، لما أمكن الوصول إلى النتيجة نفسها. إن وحدة هذه الأكثرية كانت عاملًا حاسمًا، وهي بحد ذاتها درس سياسي: حين تتوحّد الأكثرية حول قضية محقة، تصبح قادرة على فرضها في المعادلة الوطنية. وهنا لا يمكن إغفال الدور السعودي الأساسي، الذي أسهم في قيام هذه الأكثرية النيابية السنّية.
ويضاف إلى ذلك عامل أساسي تمثّل في الهزيمة العسكرية التي مُني بها الحزب الإيراني أمام إسرائيل، وما نتج عنها من تبدّل عميق في ميزان القوى اللبناني والإقليمي. فلولا هذا التحول، لما كان جوزاف عون قد انتُخب رئيسًا للجمهورية، ولما كان نواف سلام قد كُلّف تشكيل الحكومة. وبالتالي، فإن انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الحكومة كانا أيضًا من نتائج هذا التحول في ميزان القوى.
ثم جاء دور رئيس الحكومة نواف سلام، الذي مارس صلاحياته بحزم ومن دون تردد، وذهب في هذا الملف إلى نهايته. وهذا عامل داخلي لا يمكن التقليل من أهميته، لأن توفر التوازن السياسي شيء، ووجود الإرادة السياسية لاستخدام هذا التوازن شيء آخر.
وفي موازاة ذلك، كان للقوى السيادية دور أساسي، وفي طليعتها “القوات اللبنانية”، التي شكّلت بكتلتها النيابية الوازنة رأس حربة إلى جانب الأكثرية السنّية الموحدة. ومنذ اللحظة الأولى، كان موقفها واضحًا: نحن معكم، وندعم ما تتفقون عليه، ونقف إلى جانبكم حتى النهاية.
ولعل الدكتور سمير جعجع كان من أبرز من أعطوا هذه القضية بعدها السياسي، انطلاقًا من المظلومية التي تعرّضت لها “القوات” نفسها في عهد نظام الأسد، ومن الارتباط بين هذه المظلومية والمظلومية التي لحقت بالموقوفين الإسلاميين نتيجة المرحلة التي حكم فيها النظام السوري وحلفاؤه لبنان.
لذلك، فإن ما حصل ليس مجرد إقرار قانون عفو، ولا مجرد إطلاق مجموعة من الموقوفين. إنه درس سياسي متكامل في كيفية صناعة التغيير: أي هدف سياسي كبير لا يتحقق بعامل واحد. إنه يحتاج إلى لحظة يلتقي فيها العامل الخارجي بالعامل الداخلي، وتتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع تبدّل موازين القوى المحلية، وتتوافر فيها إرادة سياسية قادرة على تحويل الفرصة إلى إنجاز. فلا العامل الخارجي كافٍ وحده، ولا العامل الداخلي كافٍ وحده. وهنا تكمن القوة والحكمة في توظيف التطور الخارجي لمصلحة القضية الداخلية.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية اللحظة الراهنة. فالعوامل الخارجية لإنهاء سلاح الحزب الإيراني في لبنان باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى. المنطقة تغيّرت، وميزان القوى تغيّر، وهذا الحزب تلقّى هزيمة عسكرية وسياسية، فيما يواجه المشروع الإيراني اختلالًا واضحًا في موازين القوة.
المشكلة اليوم ليست في غياب الفرصة الخارجية، لأن هذه الفرصة ما زالت موجودة، بل في القدرة على إنتاج التقاطع الداخلي الذي يحوّلها إلى إنجاز لبناني. وهذا ما يجب أن تدركه القوى السيادية: لا يجوز انتظار عامل خارجي جديد فيما الفرصة القائمة اليوم ما زالت متاحة. المطلوب إعادة ترتيب عوامل الداخل، وتوحيد القوى القادرة على إنهاء الأمر الواقع، والاستفادة من الاختلال الكبير في ميزان القوى، والذهاب حتى النهاية نحو إنهاء الحالة الشاذة القائمة.
فكما تقاطع الخارج والداخل لإنهاء قضية الموقوفين الإسلاميين، وكما تقاطع الخارج والداخل لإنتاج سلطة جديدة، وكما تضافرت العوامل نفسها للوصول إلى قرارات سيادية وفتح مسار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، يجب الاستفادة من هذا التقاطع، الذي ما زال في ذروته، من أجل إنهاء قضية السلاح الإيراني في لبنان.
الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، والتاريخ لا ينتظر المتردّدين. لذلك، لا ينبغي إضاعة المزيد من الوقت، بل يجب الإسراع في إنهاء هذا الوضع الذي سيبقى لبنان، من دونه، دولة منقوصة السيادة، عاجزة عن بناء مستقبلها.




