
لا كهرباء مع دولة لا تملك قرار الحرب والسلم
آب 8, 2026
وضع إيران عند حدّها: الحاجة إلى تحالف إقليمي ودولي
آب 9, 2026شارل جبّور
لا شك في أن “اتفاقية مكة للدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان تشكّل تطورًا مهمًا في المشهد الإقليمي، ليس فقط لأنها تجمع ثلاث دول وازنة ديموغرافيًا وجغرافيًا وعسكريًا، بل لأنها تأتي في لحظة تحولات كبرى تُعاد فيها صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط.
إن اجتماع السعودية وتركيا وباكستان في إطار دفاعي مشترك يعني، في الحد الأدنى، نشوء عنصر ردع جديد في المنطقة. فالسعودية دولة محورية في الخليج والعالم العربي، وتركيا قوة إقليمية كبرى ذات قدرات عسكرية واسعة وعضو في حلف شمال الأطلسي، وباكستان دولة نووية ذات جيش كبير وقدرات استراتيجية. وعندما تجتمع هذه القدرات الثلاث في اتفاق دفاع مشترك، فإن الرسالة الأوضح موجهة إلى إيران: دول الخليج ليست لقمة سائغة، والاعتداء عليها لن يبقى من دون كلفة.
لقد اعتادت إيران أن تتحرك في المنطقة من خلال مزيج من الصواريخ والطائرات المسيّرة والميليشيات والضغط على الممرات البحرية، مستفيدة من هشاشة بعض الدول العربية ومن غياب منظومة ردع إقليمية متماسكة. أما اليوم، فهناك دول تقول بوضوح إن أمنها ليس مجالًا مفتوحًا للابتزاز، وإن أي اعتداء قد يستدعي معادلة مختلفة تمامًا.
وهنا تكمن أهمية المملكة العربية السعودية تحديدًا، لأنها ليست دولة تبحث عن حرب جديدة في المنطقة، بل دولة تبحث عن الاستقرار والتنمية والازدهار. وهذه هي الرسالة التي حملها أساسًا مشروع الأمير محمد بن سلمان 2030: الانتقال من عقلية إدارة أزمات الماضي إلى بناء المستقبل، ومن استنزاف الموارد في الصراعات إلى الاستثمار في الإنسان والاقتصاد والتكنولوجيا والحضارة.
وهذا تحديدًا ما يجعل اتفاق مكة مختلفًا في دلالته السياسية. فالقوة التي لا تريد الحرب، لكنها تمتلك القدرة على ردع من يفرضها، هي قوة استقرار. أما القوة التي تبحث عن الحرب بوصفها وسيلة دائمة لتوسيع النفوذ، فهي قوة زعزعة للاستقرار.
لكن، مع الترحيب بأهمية الاتفاق، لا بد من طرح بعض الأسئلة:
أولًا، ما الذي سيحدث في الاختبار الأول إذا اندلعت مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، وقررت طهران توسيع دائرة الحرب واستهداف دول الخليج، على ما جرت عليه العادة؟ فما هي الترجمة العملية لاتفاق مكة؟ هل ستتحرك الدول الثلاث عسكريًا؟ وما حجم هذا التحرك؟ وهل سيبقى الالتزام محصورًا بالدول الثلاث، أم ستتوسع ترجماته السياسية والأمنية لتشمل أمن الخليج ككل؟ ماذا لو استهدفت إيران الكويت أو البحرين أو قطر أو الأردن؟ هل سيكون موقف الدول الثلاث مجرد إدانة سياسية، أم أن الاتفاق سيكون مدخلًا إلى بلورة منظومة ردع إقليمية أوسع؟ فالاتفاقيات الدفاعية لا تُقاس بالنصوص وحدها، بل بما تفعله الدول عندما تتعرض إحدى مصالحها أو أمنها للخطر.
ثانيًا، هل اتفاق مكة دفاعي فقط، أم يمكن أن يتحول إلى نواة لمفهوم جديد للأمن الإقليمي؟ هل سيكون هذا التحالف شريكًا في إعادة رسم قواعد المنطقة؟ وهل سيقول بوضوح إن امتلاك إيران للسلاح النووي ليس أمرًا يمكن التعامل معه وكأنه واقع طبيعي؟ وهل سيضع حدًا لفكرة التوسع الإيراني عبر ميليشياتها المنتشرة في المنطقة، بدءًا من غزة ولبنان، وصولًا إلى العراق واليمن؟ وهل سيعتبر ابتزاز الملاحة الدولية وتهديد المضائق والممرات البحرية خطًا أحمر؟ وهل ستكون الصواريخ الباليستية التي تستهدف الدول والمنشآت المدنية جزءًا من مفهوم العدوان الذي يستوجب الرد؟
ثالثًا، هل اتفاق مكة هو للدفاع عن ثلاث دول فقط، أم هو بداية شراكة لإرساء مفهوم جديد للأمن في المنطقة؟ هنا تحديدًا يكمن مستقبل اتفاق مكة. فإذا بقي الاتفاق في حدود الدفاع التقليدي عن أراضي الدول الثلاث، فهو خطوة مهمة جدًا، لكنه يبقى اتفاقًا دفاعيًا. أما إذا تطور إلى شراكة سياسية وأمنية أوسع، تتعاون مع الولايات المتحدة وتنسّق معها، وربما تعمل حتى في بعض الملفات بمعزل عنها، لتقول لإيران إن التوسع الإقليمي والميليشيات والابتزاز البحري واستهداف الدول العربية خطوط حمراء، فعندها تكون المنطقة أمام تحول استراتيجي حقيقي.
رابعًا، ماذا عن تركيا وباكستان؟ تركيا أصبحت لاعبًا أساسيًا في الشرق الأوسط، وبرز نفوذها بقوة في سوريا بعد تراجع النفوذ الإيراني. فهل تريد أنقرة الذهاب إلى مواجهة مباشرة مع إيران إذا تطلب الأمر ذلك، أم أنها ترى في الاتفاق إطارًا للردع من دون الانخراط في مواجهة مفتوحة؟ وعلى الرغم من أن أنقرة حلّت محل طهران في سوريا، وعلى الرغم من أنها جزء من حلف شمال الأطلسي، فإنها لا تريد أن تقطع العلاقة مع إيران.
أما باكستان، التي تؤدي في الوقت نفسه دورًا في الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، فهل ستكون مستعدة للانتقال من موقع الوسيط إلى موقع الشريك في منظومة ردع إذا تجاوزت إيران حدودها واعتدت على دول المنطقة؟
خامسًا، ما الذي تريده الدول العربية؟ ما تريده هو ردع إيران ووضع حدود واضحة لسياستها التوسعية والتخريبية. تريد أن يصبح أمن الدول العربية خطًا أحمر، وأن يصبح، مثلًا، وجود ميليشيا مسلحة تابعة لإيران في لبنان تحت مسمى “حزب الله” أمرًا غير مقبول، كما أن استمرار الميليشيات المرتبطة بإيران في اليمن والعراق وسواهما يجب ألا يبقى أمرًا طبيعيًا في النظام الإقليمي.
ويجب أن تكون هناك رسالة واضحة إلى إيران بأن الإبقاء على هذه الميليشيات هو اعتداء على الأمن الإقليمي، ودعوتها إلى حل هذه الميليشيات فورًا، وإلا فسيتم حلها بالقوة. فما تريده الدول العربية التي انتُهكت سيادتها من إيران على مدى عقود هو الانتقال من مرحلة إدارة النفوذ الإيراني إلى مرحلة وضع حد لهذا النفوذ.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الاتفاقات السياسية وحدها لا تكفي. و”اتفاق بكين”، مثلًا، لم يردع إيران عن استهداف السعودية بأكثر من ألف مسيّرة منذ شباط الماضي، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي استهدفت المنشآت المدنية والعسكرية، ولم يتحول الاتفاق الذي رعته الصين إلى منظومة أمن إقليمي قادرة على معالجة جوهر المشكلة. لذلك، فإن قيمة أي اتفاق جديد لن تُحسم في يوم توقيعه، بل في اليوم الذي يُختبر فيه.
ما تحتاجه المنطقة اليوم هو معادلة قوة جديدة تمنع الاعتداء قبل وقوعه، وتضع كلفة حقيقية على من يقرر تصدير أزماته وحروبه إلى الآخرين. فإذا تعرضت السعودية أو تركيا أو باكستان لاعتداء، ماذا ستفعل الدولتان الأخريان؟ وإذا تعرض أمن الخليج العربي لهجوم إيراني، هل ستتعامل الدول الثلاث معه باعتباره شأنًا يخص الخليج وحده، أم تعتبره تهديدًا للنظام الإقليمي بأكمله؟ وإذا استمرت إيران في مشروعها النووي، وفي تطوير صواريخها الباليستية، وفي تمويل وتسليح الميليشيات، وفي تهديد الملاحة الدولية، هل سيكون للتحالف موقف واضح وعملي؟
هنا سيكون الامتحان الحقيقي. فهل اتفاق مكة هو اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان وتركيا، أم بداية لميزان قوة جديد على مستوى الشرق الأوسط، من خلال تحويل تعاونها الدفاعي إلى شراكة في إعادة الاستقرار إلى المنطقة؟
وهذا هو ما تنتظره دول وشعوب الشرق الأوسط: ليس حربًا جديدة، بل قوة تمنع الحرب. ليس سباقًا إلى المواجهة، بل قدرة تجعل الاعتداء مكلفًا. وليس مشروعًا لتوسيع النفوذ، بل منظومة تحمي سيادة الدول وتضع حدًا لمنطق الميليشيات والابتزاز.
اتفاق مكة أمامه الآن امتحان الأرض. وعند الامتحان، إما أن يُكرَّم الاتفاق أو يُهان.




