
سيزار أبي خليل… حين تصبح «سمعت» مستندًا لمحاسبة الكهرباء
آب 8, 2026
إذا كان العراق تجرّأ… فلماذا لا يتجرّأ لبنان؟
آب 8, 2026من غير المقبول، بصراحة، أن يستمر لبنان في واقع تحكم فيه فئةٌ سائر الفئات، وتفرض عليها خياراتها السياسية والاستراتيجية، ثم تدفع البلاد بأكملها ثمن هذه الخيارات.
قبل العام 1970، كان هناك من يرفض حياد لبنان ويريد إدخاله في الصراع العربي–الإسرائيلي، فيما كان المسيحيون، في غالبيتهم، يتمسكون بخيار الحياد ويرفضون تحويل لبنان إلى ساحة حرب. حصل ما حصل، وانخرط لبنان في الصراع، وكانت النتيجة أن دُفع البلد إلى حرب أكلت من دولته ومجتمعه واقتصاده وسيادته.
واليوم، وبعد كل ما مرّ به لبنان، ما زلنا ندور في الحلقة نفسها. هناك من يريد العودة إلى منطق الحياد ورفض الذهاب إلى السلام مع إسرائيل، وفي المقابل هناك من يريد مواصلة المواجهة تحت عنوان «المقاومة»، وكأن اللبنانيين محكومون مرة جديدة بأن يعيشوا وفق الخيار الذي تفرضه الفئة الأقوى.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
لبنان يشبه في هذه المسألة إبريق الزيت: ما إن نكاد ننتهي من إشكالية حتى ننتقل إلى إشكالية أخرى، وما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، وما إن نحاول تثبيت صيغة حتى تنفجر صيغة جديدة. والسبب أن اللبنانيين لم يتوصّلوا إلى صيغة تمنع أي مكوّن من فرض خياراته على المكونات الأخرى.
لذلك، يخطئ من يعتقد أن الحل يمكن أن يكون في استمرار لبنان بصيغته الحالية، فيما يبقى كل مكوّن متمسّكًا بخيار استراتيجي مختلف عن الآخر، ثم يُطلب من الجميع دفع الثمن نفسه.
الحل هو في الانتقال إلى سياسة الأقاليم ضمن إطار دولة واحدة، بحيث يكون لكل إقليم هامش واسع في إدارة شؤونه واختيار سياساته الداخلية بما يتلاءم مع خصوصيته، من دون أن يفرض خياراته على سائر الأقاليم.
ولنقل الأمور بوضوح: إذا كان «الحزب الإيراني» يريد اليوم مواصلة القتال، فليواصل القتال من الإقليم الذي يملك فيه الأكثرية، وعلى مسؤوليته، ومن دون أن يورّط بقية اللبنانيين في حروبه، ومن دون أن يدفعوا ثمن خياراته. وبالمثل، لا يجوز لأي إقليم آخر أن يفرض خياره السياسي أو الأمني أو الاقتصادي على الآخرين.
الفكرة ليست تقسيم لبنان أو إقامة حدود بين اللبنانيين، بل إقامة نظام سياسي يمنع أي فئة من التحكّم بمصير الفئات الأخرى.
فإذا كان لبنان بصيغته الحالية عاجزاً عن إنتاج توافق دائم، وعاجزاً عن منع الحرب، وعاجزاً عن حماية حياده، وعاجزاً عن اتخاذ قرار الحرب والسلم باسم الدولة وحدها، فالمطلوب البحث عن صيغة جديدة تنهي هذا الاستنزاف.
لبنان لا يمكن أن يستقيم باستمرار التنقّل من أزمة إلى أخرى، ومن تسوية مؤقتة إلى أخرى، ومن حرب إلى أخرى.
إما أن نجد صيغة تمنع أي فئة من حكم سائر الفئات، وإما أن نبقى ندور في الحلقة نفسها إلى ما لا نهاية.
وسياسة الأقاليم قد تكون، في هذه اللحظة، المخرج الأكثر واقعية من هذا الدوران.




