
بين روما وواشنطن… حصر السلاح يعود إلى قلب المعركة
آب 8, 2026
ثلاثون مليار دولار… والأزمة نفسها
آب 8, 2026شارل جبّور
يستحيل أن تنجح فكرة “المناطق التجريبية” في لبنان، لأنها تعالج القشور والنتيجة بدل معالجة أصل المشكلة. وهي، في أحسن الأحوال، محاولة لشراء الوقت، وفي أسوأ الأحوال، التفاف على جوهر المسألة التي تحول دون انسحاب إسرائيل وتمنع قيام دولة لبنانية فعلية على كامل أراضيها.
قبل الوصول إلى فكرة المناطق التجريبية، ينبغي العودة إلى الأساس الذي يفترض أن يحكم كل النقاش. فقد ورد في اتفاق الإطار أن المدخل إلى خروج إسرائيل من لبنان هو معالجة السبب الذي دفعها إلى الدخول والبقاء، أي إنهاء وجود السلاح الإيراني الذي يهدد أمنها. والرئيس جوزاف عون نفسه وصف هذا الاتفاق، خلال لقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بأنه اتفاق تاريخي.
إذا كان الأمر كذلك، فالسؤال البديهي هو: كيف يمكن لمناطق تجريبية أن تنجح فيما يبقى أصل المشكلة قائمًا؟ إسرائيل خرجت من الحرب الأخيرة منتصرة، فيما خرج الحزب الإيراني مهزومًا. وهذه حقيقة سياسية وعسكرية لا يمكن تجاوزها في أي مقاربة واقعية. إسرائيل موجودة اليوم في جنوب الليطاني، بينما الحزب الإيراني ليس موجودًا في شمال إسرائيل، وهو غير قادر على إخراجها من الأراضي التي تسيطر عليها، بعدما أثبتت الوقائع الميدانية أن الكثير من شعارات قدرته على الردع والمواجهة لم تكن سوى دعاية تفتقر إلى القدرة الفعلية.
ومن هنا تحديداً تنشأ مشكلة الثقة الإسرائيلية: كيف يمكن لإسرائيل أن تنسحب وهي لا تملك ضمانة بأن الحزب لن يعيد إرسال عناصره إلى القرى التي انسحبت منها؟ وكيف يمكنها أن تثق بأن الدولة اللبنانية قادرة فعلًا على منع ذلك، فيما التجربة السابقة منذ العام 2006، بالحد الأدنى، لا تشجّع على الاطمئنان؟ كما أن الدولة اللبنانية سبق أن أعلنت إنجاز مراحل من بسط سلطتها جنوب الليطاني، فيما بقي السلاح والتنظيم العسكري والأمني للحزب قائمًا. كذلك، فإن القرارات التي اتخذتها الدولة لنزع سلاح الحزب وحل تنظيمه العسكري والأمني ما زالت حبرًا على ورق، ولم تتحوّل بعد إلى واقع كامل على الأرض. والحزب، في المقابل، لا يزال قادرًا على التحرّك في بيروت وجبل لبنان والبقاع والشمال، أي على امتداد مساحة لبنان.
وهنا يسقط منطق “المناطق التجريبية” من أساسه. ما قيمة منطقة تجريبية في جنوب لبنان إذا كان التنظيم المسلح الذي يفترض أن يُمنع من دخولها ما زال يحتفظ بقدرته على التحرك خارجها؟ وما قيمة الاتفاق على عدم دخول الحزب إلى زوطر الشرقية أو زوطر الغربية، مثلاً، إذا كان يستطيع دخولها متى وجد الظرف ملائمًا، طالما أن تنظيمه المسلّح ما زال قائمًا؟
المشكلة ليست في زوطر، ولا في الجنوب وحده. المشكلة في وجود تنظيم عسكري وأمني خارج الدولة، يمتلك قرار الحرب والسلم، ويمتلك القدرة على إعادة الانتشار متى سنحت له الظروف.
نجاح المناطق التجريبية لا يبدأ من المناطق التجريبية نفسها، بل يبدأ بنزع سلاح الحزب الإيراني وحل تنظيمه العسكري والأمني. وكل كلام آخر ليس سوى مضيعة وشراء للوقت.
لذلك، لا يمكن أن يكون الحل بمنع الحزب من دخول قرية أو مجموعة قرى. الحل يبدأ من إنهاء وضعيته العسكرية والأمنية في لبنان كله. فإذا بقي سلاحه في بيروت، يستطيع أن يصل إلى الجنوب. وإذا بقي في البقاع، يستطيع أن يصل إلى الجنوب. وإذا بقي تنظيمه العسكري والأمني قائمًا في أي منطقة لبنانية، تبقى إمكانية إعادة الانتشار قائمة.
أما عندما تُنهي الدولة الوضعية العسكرية الإيرانية على كامل الأراضي اللبنانية، فعندها فقط يصبح الانسحاب الإسرائيلي قابلاً للحماية والتنفيذ، لأن الجهة التي يفترض أن تمنع عودة الحزب ستكون دولة واحدة ذات سلطة واحدة، وليس دولة في زوطر تختلف عن الدولة في حارة حريك أو بعلبك.
أما الاستمرار في البحث عن “مناطق تجريبية” قبل حل المشكلة المركزية، فلا يعدو كونه مضيعة للنقاش وشراءً للوقت. والمفارقة أن هذا الطرح يبدو وكأن هناك من لا يزال يراهن على صفقة أميركية ـ إيرانية تطلب بموجبها إيران من حزبها في لبنان تسليم سلاحه، أو كأن هناك من يراهن على حرب جديدة تُنهي الوضعية العسكرية للحزب الإيراني، أو أن هناك من يراهن على أن الوقت وحده كفيل بإقناع إسرائيل بإنهاء وجودها فيما تبقى البنية العسكرية والأمنية للحزب قائمة.
لكن الوقت لا يحل المشكلة، بل قد يزيدها تعقيدًا. المناطق التجريبية يمكن أن تكون مفيدة فقط عندما تكون جزءًا من مسار واضح لتنفيذ قرار أكبر: إنهاء السلاح غير الشرعي في كل لبنان وحل التنظيم العسكري والأمني للحزب. أما تحويلها إلى بديل عن هذا القرار، فيعني عمليًا إنتاج “تجربة” مفتوحة على سنوات من الاختبار والخرق والشك والعودة إلى النقطة نفسها.
المطلوب ليس اختبار قدرة الدولة على منع الحزب الإيراني من دخول زوطر. المطلوب اختبار قدرة الدولة على فرض سلطتها على كل لبنان. والمعادلة واضحة: إذا كان المطلوب انسحاب إسرائيل، وهي تريد الخروج، فإن المدخل إلى خروجها ليس اعتماد المناطق التجريبية، بل إنهاء السبب الذي أدخلها وأبقاها في لبنان: حلّ التنظيم العسكري والأمني للحزب الإيراني ونزع سلاحه على كامل الأراضي اللبنانية.
عندها فقط تصبح الدولة قادرة على إعطاء الضمانة، ويصبح الانسحاب قابلاً للتنفيذ، وتصبح المناطق الجنوبية جزءًا من الدولة، لا “مناطق تجريبية” تنتظر التجربة التالية.




