
من المنصوري إلى روما… الميدان يطوّق المفاوضات
آب 6, 2026
غضب دبلوماسي من بيروت: الكلام لم يعد يكفي… المطلوب أفعال
آب 6, 2026شارل جبّور
بعد عام تقريبًا على انطلاق الدولة اللبنانية في مسار استعادة سيادتها عبر سلسلة من القرارات التاريخية، بدأ يتكوّن لدى شريحة واسعة من اللبنانيين انطباع بالغ الخطورة بسبب استمرار الفجوة بين صدور هذه القرارات وتنفيذها.
لا خلاف، بدايةً، على أهمية ما اتخذته الدولة من قرارات، سواء لجهة نزع السلاح الإيراني وحصر السلاح بيد الدولة، أو إنهاء الازدواجية العسكرية والأمنية عبر حلّ التنظيم المسلّح للحزب الإيراني، أو فتح باب المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لإنهاء حالة الحرب التي حوّلت لبنان إلى ساحة مفتوحة. وبالتالي، لا خلاف على أن هذه القرارات تشكّل تحوّلًا سياسيًا نوعيًا، بل استراتيجيًا، ينسجم مع الدستور ومفهوم الدولة الطبيعية. كما أنها أثبتت أن الدولة قادرة، عندما تتوافر الإرادة، على اتخاذ الخيارات التي تفرضها مصلحتها الوطنية، بعيدًا من منطق الدويلة والمحاور.
لكن قيمة أي قرار لا تُقاس بإعلانه، على الرغم من أهمية الإعلان، بل بتنفيذه. فالدول تُبنى بفرض القانون على الجميع من دون استثناء. وكلما طال الزمن من دون تنفيذ، اتّسع الانطباع بأن هذه القرارات لم تكن سوى رسائل سياسية إلى الخارج، فيما بقي الواقع الداخلي على حاله.
وهنا تكمن الخطورة. فالانطباع الذي يتسع يومًا بعد يوم يمكن اختصاره بجملة واحدة: الدولة تتخذ القرارات لإرضاء واشنطن، لكنها تمتنع عن تنفيذها إرضاءً لطهران. وكأنها تقول لإيران وحزبها في لبنان: لقد اضطررنا إلى اتخاذ هذه القرارات بسبب الظروف الدولية والتوازنات التي فرضتها الحرب، لكن لا تقلقا، فهي ستبقى حبرًا على ورق، ولن تتحول إلى إجراءات تنفيذية.
قد يكون هذا الانطباع غير دقيق، لكنه موجود، واستمراره يضرب صدقية الدولة في الصميم. فالدولة التي تعلن قرارًا سياديًا ثم لا تعمل على تنفيذه تبدو وكأنها تكتفي بإدارة توازنات غير شرعية بدل فرض سيادتها. والأسوأ أن هذا المشهد يوحي بأن الدستور يخضع للتفاوض، وأن تنفيذ القوانين قابل للمساومة، فيما جوهر الدولة يقوم على نقيض ذلك تمامًا.
فالدول لا تساوم على سيادتها، ولا تفاوض على احتكارها للسلاح، ولا تؤجل تنفيذ دستورها إلى أجل غير مسمى. وإذا كانت السلطة قد منحت الوقت الكافي لإفساح المجال أمام الحلول السياسية، فإن هذا الوقت لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دائمة، لأن التأجيل المستمر لا ينتج استقرارًا، بل يكرّس الأمر الواقع ويزيد احتمالات الانفجار.
من هنا، تبدو الدولة مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتبديد هذا الانطباع. وعليها أن تؤكد بوضوح أن القرارات التي اتخذتها لم تكن استجابةً لواشنطن، بل انطلاقًا من مسؤوليتها الدستورية والوطنية، وأن المهلة التي مُنحت كانت لإتاحة فرصة التنفيذ الطوعي، لا للتراجع أو للتسويف إرضاءً لإيران وحزبها في لبنان.
فكل يوم يمر من دون تنفيذ يطيل عمر الأزمة، ويُبقي لبنان أسير الصراع، ويعرّض اللبنانيين لمزيد من المخاطر الأمنية والاقتصادية والسياسية. أما التنفيذ، فهو وحده الكفيل بإثبات أن الدولة استعادت قرارها، وأن قراراتها ليست حبرًا على ورق، بل بداية فعلية لقيام دولة تحكم باسم الدستور، وتفرض سلطتها على كامل أراضيها، وتحمي شعبها من دوامة الحروب التي أنهكت اللبنانيين لعقود.




