
الجنوب أمام ساعة الحسم بين إنذار الجيش اللبناني وجولة روما
يوليو 27, 2026
من يمنع حسين الحاج حسن من أن يواصل ما يسمى “مقاومته”؟
يوليو 27, 2026شارل جبّور
الهدف من استعادة اتفاق 17 أيار هو استخلاص العبرة التي يحتاجها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالتاريخ لا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعاقب الذين يرفضون التعلّم من دروسه. وقد يكون من الصعب الجزم بما كان سيؤول إليه لبنان لو كُتب لاتفاق 17 أيار أن يُنفّذ، في ظل وجود الاتحاد السوفياتي آنذاك، وهيمنة النظام الأسدي على القرار اللبناني، وتشابك التوازنات الإقليمية والدولية. لكن ما يمكن الجزم به هو أن لبنان كان سيخوض تلك المرحلة من موقع الاستناد إلى دولة قادرة على تغيير الأوضاع، لا من موقع الساحة المفتوحة لتصفية الحسابات.
المشكلة لم تكن يومًا بين لبنان وإسرائيل بقدر ما كانت في تحويل الأرض اللبنانية إلى منصة لحروب الآخرين ضد إسرائيل، خلافًا لإرادة الدولة وعجزها عن فرض سيادتها. ومنذ إسقاط اتفاق 17 أيار، دخل لبنان في دوامة طويلة من الاحتلالات والحروب والاغتيالات والانهيارات، وصولًا إلى الانهيار الشامل الذي يعيشه اليوم.
العبرة الأساسية ليست في تأييد اتفاق 17 أيار أو معارضته، بل في خطورة اللاموقف. فالأسوأ من أن تكون مع الاتفاق أو ضده، أن تمتنع عن اتخاذ قرار واضح، وأن تبقى في منطقة رمادية عنوانها التردد والمراوحة. فالسياسات الكبرى لا تُدار بأنصاف المواقف، والدول لا تُبنى بالتسويات المفتوحة إلى ما لا نهاية.
من هنا تكتسب أهمية اتفاق الإطار المطروح اليوم. فهذا الاتفاق، مهما كثرت الحملات عليه، يشكّل الفرصة الحقيقية لإخراج لبنان من دائرة الصراعات. وإذا كان الرئيس نبيه بري يعتبره “أسوأ بعشر مرات من اتفاق 17 أيار”، فهذا يعني، عمليًا، أنه أفضل بعشر مرات من اتفاق 17 أيار. فهو يضع، للمرة الأولى، مسارًا واضحًا يقوم على إنهاء السلاح الإيراني، بما يسمح بانسحاب إسرائيل بصورة نهائية، ويعيد القرار الأمني والعسكري إلى الدولة اللبنانية وحدها.
لقد أثبتت التجارب أن أي انسحاب إسرائيلي قبل إنهاء السلاح الإيراني يتحول إلى محطة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الحروب. وهذا ما حصل بعد الانسحابات السابقة، مرورًا بحرب 2006، وصولًا إلى حربي “إسناد غزة” و”إسناد طهران”. واتفاق الإطار هو الجسر الذي ينقل لبنان من مفهوم الساحة إلى مفهوم الوطن. إنه الضمانة لإنهاء المشروع الإيراني في لبنان، واستعادة الدولة لقرارها وسيادتها، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، ومنع أي تدخلات أو وصايات جديدة، أيًا كان مصدرها.
والفرق بين عام 1983 واليوم كبير. يومها كان النظام الأسدي في أوج قوته، وكان الاتحاد السوفياتي يشكّل مظلة دولية لمحور الممانعة. أما اليوم، فقد سقط النظام الأسدي، وتراجعت إيران بصورة غير مسبوقة، فيما تنشغل روسيا بحرب أوكرانيا، ويقف العالم العربي، وفي مقدّمته دول الخليج، إلى جانب استعادة الدولة اللبنانية لفعاليتها وسيادتها. إنها ظروف أكثر ملاءمة بكثير لاتخاذ القرار الصحيح.
لكن حتى أفضل الظروف لا تصنع مستقبلًا إذا غاب القرار السياسي. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو الوضوح والشجاعة، لا التردد والمراوحة. فلبنان لم يعد يحتمل إضاعة الفرص التاريخية.
إن اتفاق الإطار يمثّل خشبة الخلاص للبنان، لأنه يفتح الباب أمام إنهاء منطق الدويلة الإيرانية، واستعادة الدولة الحقيقية، والتوجه نحو السلام الذي يشكّل مصلحة لبنانية بالدرجة الأولى، ويؤسس لاستقرار دائم يخرج اللبنانيين من عقود الحروب والخراب. فالسلام هو التعبير الأرقى عن سيادة الدولة، عندما يصبح قرار الحرب والسلم حكرًا عليها وحدها.
لقد دفع لبنان أثمانًا باهظة بسبب التردد، ولا يجوز أن يبقى هناك أي مجال للتردد من الآن فصاعدًا. فخشبة خلاص لبنان تكمن في اتفاق الإطار، وهذا الاتفاق هو الضمانة لتطبيق الدستور اللبناني، واستعادة الدولة اللبنانية دورها وسيادتها، ونقل لبنان نهائيًا من منطق الساحة إلى منطق الدولة.
شارل جبّور صحافي وكاتب ومحلّل سياسي لبناني، ورئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات اللبنانية. يمتلك خبرة طويلة في الصحافة والإعلام السياسي، وكتب في عدد من الصحف والمواقع الإلكترونية اللبنانية. تتمحور مقالاته ومداخلاته حول قضايا الدولة والسيادة والدستور والهوية اللبنانية، ويُعرف بمواقفه الواضحة وقراءته النقدية للتطورات السياسية في لبنان والمنطقة.




