
بالفيديو: الحويّك في ذاكرة جعجع “فتح الأديار للجائعين وصنع وطناً”
يوليو 25, 2026
لماذا غاب الرئيس بري عن احتفالية تطويب البطريرك الحويّك؟
يوليو 26, 2026شارل جبّور
شكّلت احتفالية إعلان تطويب البطريرك الماروني إلياس الحويّك حدثًا استثنائيًا، ليس فقط على المستوى الكنسي، بل أيضًا على المستوى الوطني. فالتطويب في الكنيسة الكاثوليكية هو، في جوهره، مسار ديني وروحي يستند إلى حياة القداسة وإلى الأعجوبة المثبتة التي تفتح الباب أمام إعلان الطوباوية، ولم يكن يومًا فعلًا سياسيًا أو وسيلة لإيصال رسائل ظرفية. ولكن، في المقابل، لا يمكن فصل هذا الحدث عن توقيته، ولا عن رمزية الشخصية التي جرى تطويبها، ولا عن الرسالة التي أراد الفاتيكان، عبر الكنيسة المارونية، إبرازها في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ لبنان والمنطقة.
فالبطريرك الحويّك ليس مجرد رجل دين كبير، بل هو أحد أبرز الآباء المؤسسين للبنان الكبير، والرجل الذي لعب دورًا محوريًا في تثبيت حدوده والدفاع عن قيامه. ومن هنا، بدا واضحًا أن الاحتفال حمل رسالة تؤكد التمسك بلبنان الكبير في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات استراتيجية عميقة، بعد سقوط مشروع الممانعة وتفكك المحور الذي حكم لبنان والمنطقة لعقود، وما يرافق ذلك من إعادة تشكيل للتوازنات الإقليمية.
كما لا بد من التوقف عند المشهدية التي شهدها الديمان، فقد أظهرت الكنيسة المارونية قدرة استثنائية على جمع اللبنانيين في مناسبة وطنية راقية. أما بعض الغياب، فله أسبابه وظروفه، ولا يجوز تضخيمه، لأن الصورة العامة كانت جامعة وحضارية، وعكست الدور التاريخي للكنيسة في الحفاظ على فكرة لبنان.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تكفي إعادة التأكيد على لبنان الكبير؟
الجواب هو أن المشكلة لم تعد في الجغرافيا، بل في السياسة. فلا أحد اليوم يناقش عمليًا حدود لبنان أو إمكانية العودة إلى ما قبل إعلان لبنان الكبير. وإعادة رسم خرائط الدول في المنطقة لم تعد مجرد مسألة صعبة، بل أصبحت شبه مستحيلة في ظل النظام الدولي القائم. لذلك، فإن لبنان الكبير أصبح حقيقة ثابتة لا جدال فيها.
أما ما يحتاج إلى مراجعة، فهو الصيغة التي يُحكم بها هذا الوطن.
وقبل الوصول إلى هذا النقاش، يبقى الشرط الأول والأساسي دفن مشروع الممانعة نهائيًا. فهذا المشروع دمّر لبنان وحوّله إلى ساحة حروب وأزمات وعزلة وانهيار. ويجب أن يصبح جزءًا من الماضي بلا أي إمكانية للعودة إليه، لأن اللبنانيين دفعوا أثمانه من أمنهم واقتصادهم ومستقبلهم. وبعد إسدال الستار على هذه المرحلة، أي بعد دفن هذا المشروع، يبدأ النقاش الحقيقي: كيف نجعل لبنان الكبير دولة مستقرة وقابلة للحياة؟
المشكلة ليست في كبر لبنان أو صغره، بل في الصيغة السياسية التي حكمت هذا الكيان منذ قيامه. فالاستقرار كان الاستثناء في تاريخ لبنان الكبير، فيما كانت الأزمات والحروب والانقسامات هي القاعدة. وهذا وحده كافٍ لطرح السؤال المشروع: إذا كانت الصيغة تنتج الأزمات باستمرار، فلماذا الإصرار على اعتبارها من الثوابت؟
فالثابت هو لبنان الكبير، والمتحرّك هو الصيغة، ومن الخطأ الخلط بين الجغرافيا والصيغة. وإذا كان لبنان الكبير ليس خطأً جغرافيًا، فإن الصيغة القائمة هي خطأ سياسي، بل أثبتت فشلها وعقمها. والمطلوب، إذًا، ليس المساس بلبنان الكبير، بل الانتقال إلى نظام سياسي يعكس حقيقة المجتمع اللبناني بتعدديته وتوازناته، ويؤسس لشراكة فعلية تمنع العودة إلى الصراعات التي أنهكت البلاد.
من هنا، تبدو الكنيسة المارونية، بما تمثله من مرجعية وطنية وتاريخية، مدعوة إلى أن تكون شريكًا في هذا النقاش، لا أن تكتفي بالدفاع عن الجغرافيا من دون الانفتاح على ضرورة تطوير الصيغة. فالدفاع عن لبنان الكبير لا يكتمل إلا بالدفاع عن نظام حكم قادر على تأمين الاستقرار والازدهار والعدالة لجميع اللبنانيين.
إن الرسالة التي حملها تطويب البطريرك الحويّك يجب ألا تتوقف عند استذكار الماضي، بل أن تتحول إلى مناسبة للتفكير في المستقبل. فلبنان الكبير باقٍ، وهذه ليست موضع نقاش. أما التحدي الحقيقي، فهو بناء صيغة سياسية جديدة تجعل هذا الوطن وطنًا قابلًا للحياة، لا ساحةً للأزمات المتكررة والحروب المفتوحة كما كان منذ تأسيسه وحتى اليوم. عندها فقط يصبح لبنان الكبير مصدر فخر للبنانيين، لا مصدر حسرة وأسف.
فإذا كان لبنان ليس خطأً جغرافيًا، فإن صيغته هي الخطأ السياسي، بل الخطيئة السياسية بحق شعبه وأهله. وهذا ما يجب أن يفتح باب النقاش حوله، بدءًا من الكنيسة نفسها، لأنه لا يفيد بشيء الاعتداد بمساحة جغرافية اسمها لبنان الكبير إذا كانت هذه المساحة غير قابلة للعيش، ومولِّدة للحروب والأزمات. فالتحدي الأساسي هو تحويلها إلى مساحة حياة، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال صيغة مركبة تعكس واقع المجتمع اللبناني المركّب، بعيدًا عن نظريات الانصهار التي أحرقت البلد وهجّرت شعبه. فالغاية هي تحقيق الاستقرار، وحفاظ كل جماعة على هويتها، وكل فرد على نمط عيشه. أما لبنان الكبير بصيغته الحالية، فهو نقيض الاستقرار، وإلغائي للهويات، ومعادٍ للتعدد.
وإذا كانت الكنيسة المارونية تريد أن تكون ذكرى البطريرك الحويّك ذكرى مباركة لأحد مؤسسي لبنان الكبير، فعليها أن تسهم في الحفاظ على ما أسسه، من خلال السعي إلى صيغة تجعل من لبنان الكبير مساحة حياة لا مساحة موت. فلا يكفي الاعتداد بإنجاز تاريخي إذا كان يترافق مع واقع سياسي عاجز عن إنتاج دولة فعلية.




