
من الضربات المحدودة إلى الحرب الشاملة… هل حسم ترامب خياره؟
يوليو 24, 2026
من زوطر إلى الديمان… لبنان يستعيد الأرض والمعنى
يوليو 25, 2026شارل جبّور
يشكّل إدخال البطريرك الماروني إلياس الحويّك إلى سجل الطوباويين حدثًا كنسيًا وتاريخيًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الكنيسة المارونية ولبنان. فهو قبل أي شيء رسالة إيمانية إلى الكنيسة وأبنائها، وتأكيد على تاريخ جماعة استطاعت أن تحافظ على حضورها عبر القرون بفضل تمسّكها بإيمانها وثوابتها، لا بفعل التحولات السياسية التي عرفتها المنطقة.
ومن هنا، فإن الخطأ الأكبر يكمن في الخلط بين البعدين الديني والوطني. فالبطريرك الحويّك لم يُعلَن طوباويًا بسبب دوره السياسي أو الوطني، مهما بلغت أهمية هذا الدور في تاريخ لبنان، بل لأن الكنيسة سلكت المسار الكنسي المعروف الذي يقوم على ثبوت الفضائل والعجائب. والعجيبة التي فتحت باب التطويب ارتبطت بعسكري من الطائفة الدرزية، ما يؤكد أن قرار التطويب يستند إلى معايير دينية وروحية بحتة، لا إلى تقييم الإنجازات الوطنية أو السياسية.
لذلك، فإن تحويل مناسبة التطويب إلى سجال حول تاريخ البطريرك أو حول مشروع لبنان الكبير، يسيء إلى الحدث الكنسي ويخرجه من معناه الحقيقي. فالكنيسة لا تطوّب رجالها لأنهم أسسوا دولًا أو رسموا حدودًا، بل لأنها ترى فيهم مثالًا للإيمان والقداسة والالتزام المسيحي.
أما لبنان الكبير، فهو محطة سياسية وتاريخية لها ظروفها وسياقها. ومن الخطأ الحكم عليها بمعايير الحاضر أو اختزالها بشعار أنها كانت صوابًا مطلقًا أو خطأً مطلقًا. لكل مرحلة ظروفها وتوازناتها، وما اتُّخذ من قرارات آنذاك جاء استجابة لمعطيات ذلك الزمن. والتاريخ مليء بأمثلة شعوب وجماعات لم تنل ما كانت تطمح إليه، كما هو حال الأكراد، ما يؤكد أن رسم الخرائط والكيانات كان دائمًا نتاج موازين القوى أكثر مما كان تعبيرًا عن العدالة الكاملة.
ولا شك أن التجربة اللبنانية خلال المئة عام الماضية أظهرت أن النظام الذي قام على دولة مركزية تضم مجتمعًا تعدديًا وجماعات ذات رؤى متباينة، أنتج صراعات متكررة أكثر مما أنتج استقرارًا دائمًا. فالاستثناء في تاريخ لبنان كان التوافق، أما الخلاف فكان القاعدة. وهذا نقاش مشروع لا يجوز الهروب منه، لكنه ليس نقاش الساعة.
فالواقع أن الأولوية المحلية والدولية اليوم ليست إعادة فتح ملف لبنان الكبير أو لبنان الصغير، ولا إعادة رسم النظام أو الحدود، بل إنهاء المشروع الإيراني الذي ما زال يقوّض سيادة الدولة ويهدد مستقبل لبنان بكل مكوناته. وهذه هي القضية التي تتصدر الاهتمام الدولي، وهي الفرصة التي ينبغي ألّا يبدّدها اللبنانيون بسجالات تاريخية لا تقدّم ولا تؤخّر في هذه المرحلة.
بعد استعادة الدولة الكاملة لسيادتها، يصبح من الطبيعي أن يفتح اللبنانيون كل الملفات الدستورية والسياسية والنظامية، وأن يناقشوا مستقبل دولتهم بكل حرية. أما اليوم، فإن أي نقاش آخر يبقى ثانويًا أمام أولوية إنهاء المشروع الإيراني التخريبي الذي ألحق بلبنان أفدح الأضرار.
لهذا، من الضروري الحفاظ على المعنى الحقيقي لتطويب البطريرك إلياس الحويّك. إنها مناسبة دينية قبل أي شيء آخر، ورسالة روحية إلى الكنيسة والمؤمنين، وليست مناسبة لتصفية الحسابات السياسية أو لإعادة فتح الانقسام حول لبنان الكبير. فاحترام الحدث يقتضي الفصل التام بين القداسة والسياسة، وبين الرسالة الإيمانية والنقاش الوطني، لأن لكل منهما ساحته ووقته وأدواته.




