
من واشنطن إلى زوطر الغربية… لبنان أمام امتحان التنفيذ
يوليو 24, 2026
قبلان يهدّد الدولة باسم السلاح… واللبنانيون يريدون الحياة
يوليو 24, 2026أكد رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن أزمة الكهرباء في لبنان ليست نتيجة أداء الحكومة الحالية، بل حصيلة سياسات متراكمة أهدرت عشرات مليارات الدولارات من دون أن تنجح في بناء معامل جديدة أو تحديث شبكات الإنتاج والنقل والتوزيع.
وفي مقابلة مع مجلة «المسيرة»، أوضح جعجع أن اللبنانيين لا يزالون يحصلون اليوم على الكهرباء من البنية التحتية نفسها التي ورثتها الدولة من مرحلة تولّي جبران باسيل و«التيار الوطني الحر» وزارة الطاقة، مشيراً إلى أن الفارق الوحيد هو أن القطاع يُدار حالياً بصورة أفضل، ومن دون أن تدفع الحكومة الحالية أموالاً من خزينة الدولة لتأمين عدد ساعات التغذية نفسه.
وشدد على أن معالجة الأزمة لا تتم بمرسوم أو قرار إداري، لأن الكهرباء تقوم على معامل إنتاج وشبكات توزيع وبنى تحتية ضخمة تحتاج إلى تمويل واستثمارات ووقت، لافتاً إلى أن القطاع استنزف خلال خمسة عشر عاماً ما لا يقل عن ثلاثين مليار دولار من أموال الدولة، فيما بقي اللبنانيون يعانون التقنين والمشكلة نفسها.
بداية نهاية الأزمة
ورأى جعجع أن الحل الفعلي يبدأ بإشراك القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء وإدارتها، معلناً أن فتح باب الاستثمار أمام الشركات عبر الهيئة الناظمة يشكّل محطة أساسية في مسار الإصلاح.
وقال إن وزير الطاقة وفريقه أمضوا الأشهر الماضية في استكمال المتطلبات القانونية والتنظيمية، وإعداد دفاتر الشروط والنموذج الاستثماري الذي يسمح للشركات ببناء معامل إنتاج والحصول في الوقت نفسه على حق توزيع الكهرباء وجباية مستحقاتها.
واعتبر أن هذه الخطوة تمثل «بداية نهاية أزمة الكهرباء في لبنان»، بعدما بات واضحاً، بحسب قوله، أن الدولة وحدها عاجزة عن تمويل القطاع أو إدارته، وأن لا سبيل لإنقاذه إلا من خلال شراكة حقيقية مع القطاع الخاص.
مليار دولار سنوياً… والتغذية نفسها
وتوقف جعجع عند الانتقادات الموجهة إلى وزير الطاقة الحالي، معتبراً أنها تتجاهل الفرق الأساسي بين المرحلة الراهنة والسنوات السابقة.
وأوضح أن ساعات التغذية الكهربائية لم تتراجع مقارنة بمرحلة تولّي «التيار الوطني الحر» الوزارة، لكن الدولة كانت تدفع حينها نحو مليار دولار سنوياً من الخزينة، في حين تؤمَّن التغذية نفسها اليوم من دون تحميل الخزينة هذه الكلفة.
وأكد أن أموال الخزينة ليست أموالاً مجهولة المصدر، بل هي أموال المواطنين أنفسهم، قائلاً إن «الخزينة هي جيبتكم، والدفع منها يعني أنكم أنتم من تدفعون».
الفرص التي أُهدرت
وكشف جعجع أن شركات عالمية، من بينها «سيمنز»، كانت قد أبدت في السابق استعدادها لبناء معامل كهرباء وفق نظام BOT، مستفيدة من قدرة الدولة اللبنانية آنذاك على تقديم ضمانات سيادية للمستثمرين.
إلا أن لبنان، بعد الانهيار المالي، لم يعد قادراً على تقديم تلك الضمانات، ما أدى إلى تراجع الشركات عن الاستثمار واضطرار الهيئة الناظمة إلى اعتماد نموذج جديد يمنح المستثمر حق الإنتاج والتوزيع معاً، كي تصبح الجباية ضمانته الاقتصادية البديلة.
كما أشار إلى عروض سابقة من «سيمنز» والصندوق الكويتي للتنمية لإنشاء معامل إنتاج، معتبراً أن الكارثة الحقيقية لا تكمن فقط في العجز الحالي، بل في الفرص التي رفضت وأُهدرت عندما كانت الظروف المالية والسياسية أكثر ملاءمة.
«آخر من يحقّ لهم الكلام»
ووجّه جعجع انتقاداً حاداً إلى «التيار الوطني الحر»، معتبراً أنه آخر من يحق له انتقاد أداء وزارة الطاقة، بعدما تولّى إدارة القطاع لمدة خمسة عشر عاماً وسلّمه في حالة انهيار كامل.
وقال إن البنية التحتية المستخدمة اليوم هي نفسها التي تركتها الإدارات السابقة، مضيفاً بسخرية أن اللبنانيين لا يزالون يحصلون على «كهرباء التيار… ليس التيار الكهربائي، وإنما التيار الآخر الذي يكهرب من دون أن يعطي كهرباء».
دولة لا تدفع فواتيرها
وفي موازاة أزمة الإنتاج، حذّر جعجع من مشكلة مالية تهدد مؤسسة كهرباء لبنان، تتمثل في امتناع عدد من الإدارات والمؤسسات الرسمية عن تسديد فواتيرها.
وأشار إلى أن قيمة المتأخرات المترتبة على الإدارات العامة تبلغ نحو 250 مليون دولار، إضافة إلى مستحقات مرتبطة بإعفاءات مجلس الجنوب تتراوح بين 150 و200 مليون دولار.
وشدد على أن مساعدة المناطق المتضررة واجب وطني، لكن تمويلها يجب أن يتم من موازنة الدولة لا من مداخيل مؤسسة كهرباء لبنان، لأن حرمان المؤسسة من جزء كبير من إيراداتها يهدد قدرتها على شراء الفيول والاستمرار في تأمين التغذية.
وقال إن وزير الطاقة حذّر خلال الأشهر الماضية من الوصول إلى مرحلة تعجز فيها المؤسسة عن شراء الفيول، مؤكداً أن المطلوب ليس رفع التعرفة على المواطنين، بل أن تدفع الدولة ما يتوجب عليها.
عرقلة من داخل الدولة؟
وتساءل جعجع عمّا إذا كانت التأخيرات والعراقيل الإدارية التي تواجه وزارة الطاقة والهيئة الناظمة ناتجة عن تقصير عادي، أم أنها تأتي في إطار محاولة متعمّدة لإفشال الوزير الحالي.
وتحدث عن وجود «دولة عميقة» داخل الإدارات العامة، كاشفاً أن أعضاء الهيئة الناظمة، رغم خبراتهم العالية وعودة عدد منهم من الخارج للمشاركة في المشروع، عملوا مدة ثمانية أشهر من دون تقاضي رواتبهم بسبب التأخير في الإجراءات الإدارية.
ورأى أن هناك من يحاول ضرب تجربة وزارة الطاقة لأنها محسوبة على «القوات اللبنانية»، مؤكداً أن محاولات العرقلة لن تنجح في وقف مسار الإصلاح.
وفي ما يتعلق بخيارات استجرار الكهرباء من الخارج، أوضح جعجع أن مشروع الربط عبر سوريا اصطدم بأضرار واسعة لحقت بالشبكة خلال الحرب السورية، إضافة إلى العقوبات التي كانت مفروضة على دمشق، ما يستوجب أعمال تأهيل واستثمارات قبل إمكان إعادة تشغيل الخط.
وأشار إلى أن الوزارة تدرس أيضاً الربط مع قبرص وتركيا، رغم أن بعض هذه المشاريع يحتاج إلى سنوات، معتبراً أن التخطيط يجب أن يبدأ اليوم، وإلا سيبقى لبنان ينتظر الحلول إلى ما لا نهاية.
وختم بالتأكيد أن قطاع الكهرباء متهالك ولا يمكن إحياؤه بين ليلة وضحاها، لكنه اعتبر أن فتح الباب أمام القطاع الخاص يشكّل «باب الخلاص الوحيد»، والخطوة التي كان يجب اتخاذها منذ خمسة عشر عاماً، عندما كانت الدولة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات وتأمين الضمانات.




