
الضمانة الأميركية… لمنع عودة الحرب
يوليو 18, 2026
مجتبى خامنئي… مرشد على الورق؟
يوليو 19, 2026شارل جبّور
في السياسة الدولية، لا توجد عبارة أخطر من أن يقول مسؤول في دولة صغيرة لمسؤول في دولة عظمى: “أعطنا المزيد من الوقت”. فالدول الكبرى لا تنتظر أحدًا، ولا تُعلِّق أولوياتها على حسابات داخلية في هذا البلد أو ذاك. وإذا شعرت بأن الفرصة التي منحتها لا تُستثمر، فإنها ببساطة تنتقل إلى ملف آخر، لأن العالم بالنسبة إليها لا يتوقف عند حدود دولة واحدة، مهما كانت أهمية هذه الدولة بالنسبة إلى أبنائها.
من هذا المنطلق، يكتسب وصول رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية. فالزيارة تُعد من أهم الزيارات الخارجية منذ انتخابه، ليس فقط بسبب اللقاء المرتقب مع الرئيس دونالد ترامب، بل لأن لبنان يحظى اليوم باهتمام أميركي قد لا يبقى متاحًا إلى الأبد.
في لبنان، يميل كثيرون إلى الاعتقاد بأن قضيتهم هي محور العالم، وأن المجتمع الدولي لا يشغل باله إلا لبنان. لكن هذه نظرة بعيدة عن الواقعية السياسية. فالولايات المتحدة تدير ملفات تمتد من أوروبا إلى الشرق الأوسط، ومن آسيا إلى المنافسة مع الصين، فضلًا عن تحدياتها الداخلية الاقتصادية والسياسية. ولذلك، فإن الوقت بالنسبة إلى واشنطن مورد استراتيجي، والفرص لا تبقى متاحة إلى الأبد.
من هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يسمعه أي مسؤول أميركي من مسؤول لبناني هو عبارة: “أعطونا المزيد من الوقت”. فالوقت ليس ما ينقص الولايات المتحدة، بل ما ينقص لبنان. وإذا اقتنع الأميركي بأن الدولة اللبنانية غير مستعدة لاتخاذ القرارات المطلوبة، فسوف ينتقل ببساطة إلى ملفات أخرى أكثر إلحاحًا، تاركًا لبنان لمشكلاته.
لهذا السبب، ينبغي استثمار اللحظة الأميركية الحالية إلى أقصى حد. فالاهتمام الذي توليه واشنطن للبنان اليوم ليس بهدف وضعه تحت الوصاية، ولا لتحويله إلى منصة تخدم المصالح الأميركية، بل لمساعدته على استعادة مقومات الدولة الطبيعية، بعدما حوّله المشروع الإيراني، عبر حزبه في لبنان، إلى دولة حرب، ودولة أزمات، ودولة معزولة عن محيطها العربي والدولي.
ومن هنا، فإن الرسالة التي يفترض أن يحملها الرئيس جوزاف عون إلى الرئيس دونالد ترامب يجب أن تكون واضحة وصريحة وخالية من أي تردد: لبنان يريد السلام، وهو مستعد للسير في هذا الخيار الآن. فلا مصلحة للبنان في البقاء أسير حرب مفتوحة، ولا في استمرار وضع شاذ أفقده سيادته واستقراره واقتصاده.
لكن، في المقابل، يجب أن يكون واضحًا أيضًا أن هناك عقبة داخلية حقيقية تتمثل في استمرار السلاح الإيراني خارج سلطة الدولة. وهذه ليست مشكلة لبنانية فحسب، ولا إسرائيلية فحسب، بل هي جزء من المشروع الإيراني الذي شكّل طوال العقود الماضية مصدر عدم استقرار للبنان والمنطقة. ولذلك، فإن معالجة هذا الملف يجب أن تستمر بالتعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، ولكن من دون أن تتحول إلى ذريعة لتأجيل خيار السلام.
فالسلام ومسألة السلاح ليسا مسارًا واحدًا. نعم، إن إنهاء السلاح الإيراني ضرورة لاستعادة السيادة الكاملة، لكن إعلان خيار السلام يجب ألا يبقى رهينة قدرة الحزب الإيراني على التعطيل والابتزاز. فربط المسارين يعني عمليًا إبقاء لبنان في المنطقة الرمادية: لا حرب ولا سلام، وهو الوضع الذي يريده الحزب الإيراني لأنه يمنحه القدرة على تعطيل الدولة بانتظار متغيرات إقليمية. إلا أن هذه المتغيرات لم تعد واردة كما كانت في السابق. فالمشروع الإيراني تلقى ضربات قاسية، وسقطت إحدى أهم ركائزه مع سقوط نظام الأسد، ولم يعد من مصلحة لبنان أن يبقى أسير رهانات انتهى زمنها.
الرئيس جوزاف عون يدرك أن صناعة التاريخ لا تكون بإدارة الوقت، بل باتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. وهذه هي اللحظة المناسبة. أما التردد فلن يخدم إلا خصوم الدولة الذين يريدون استمرار الأوضاع الشاذة، ولن يكسب ثقة أصدقاء لبنان، بل سيؤدي إلى إضاعة فرصة قد لا تتكرر.
ويدرك الرئيس عون أيضًا أن الفريق الإيراني في لبنان يصنّفه خصمًا مهما فعل، وبالتالي فإن الاعتقاد بأن تأجيل خيار السلام سيؤدي إلى استرضائه ليس سوى وهم. ولذلك، فإن المطلوب في هذه اللحظة المصيرية هو عدم الالتفات إلى الخلف، وعدم إغراق الرئيس ترامب بتفاصيل أزماتنا الداخلية التي لا تعنيه بقدر ما يعنيه القرار السياسي الكبير، والقول له بوضوح: لبنان جاهز للسلام، لكنه يحتاج إلى استمرار الدعم الأميركي لاستكمال استعادة سيادته وإنهاء السلاح الإيراني الخارج عن سلطة الدولة.
كل التمنيات للرئيس عون بالتوفيق في زيارته إلى واشنطن، لأن نجاحها لا يخص عهده وحده، بل يخص لبنان كله. لكن النجاح الحقيقي يبدأ بقرار واضح لا يحتمل التأجيل: لبنان يريد السلام الآن، وسيمضي، بدعم أصدقائه، في استكمال استعادة سيادته الكاملة وإنهاء السلاح الإيراني.




