
اختيار علي حسن خليل للرد… رسالة تكشف ذهنية إدارة المجلس
يوليو 17, 2026
لا مكان لمن يضع رجلاً في البور ورجلاً في الفلاحة
يوليو 18, 2026شارل جبّور:
تتجه الأنظار إلى الزيارة المرتقبة التي يقوم بها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى الولايات المتحدة الأميركية للقاء الرئيس دونالد ترامب. فهي أول قمة لبنانية – أميركية منذ انتخاب الرئيس عون، وتأتي في لحظة مفصلية بعد انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي أظهرت حتى الآن تحولًا نوعيًا في مقاربة الدولة اللبنانية لهذا الملف.
ما برز خلال الجولات التفاوضية الست ليس مجرد مفاوضات تقنية، بل ولادة عقل سياسي جديد داخل مؤسسات الدولة، عقل يضع المصلحة الوطنية فوق الشعارات، ويتعامل مع الوقائع كما هي، لا كما تريدها الأيديولوجيات التي حكمت لبنان لعقود. لم تعد الدولة أسيرة خطاب التخوين أو الشعارات التي استُخدمت لتبرير إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لمشاريع محور الممانعة، بل بات هدفها إنهاء الحرب مع إسرائيل وإسقاط الذريعة التي استُخدمت طويلًا لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة.
لقد اكتشف اللبنانيون، مع مرور السنوات، أن مشكلتهم الأساسية لم تكن مع السلام، بل مع تحويل لبنان إلى منصة لمشروع إقليمي تقوده إيران. ولو كانت القضية مرتبطة بإسرائيل وحدها، فكيف يُفسَّر وجود الميليشيات الإيرانية في العراق؟ وما علاقة اليمن بإسرائيل حتى تُقام فيه ميليشيا مرتبطة بطهران؟ الحقيقة أن هذه الميليشيات ليست وليدة الصراع مع إسرائيل، بل هي جزء من مشروع توسعي إيراني يتجاوز حدود هذا الصراع.
كما أن المصالحة مع التاريخ تفرض الاعتراف بحقيقة واضحة: إسرائيل لم تدخل لبنان إلا بعدما فقدت الدولة سيادتها، وتحول الجنوب إلى قاعدة عسكرية لمنظمات مسلحة تستهدفها. واليوم تؤكد إسرائيل أنها ستنسحب بالكامل مع تمكّن الدولة اللبنانية من بسط سلطتها على كامل أراضيها، وضمان عدم استخدام لبنان منصة لأي عمل عسكري ضدها، وهي كانت انسحبت في العام 2000 من تلقاء نفسها.
لكن هنا تكمن المعضلة. فالفريق الممانع يراهن على عامل الوقت. يراهن على تعطيل بسط سيادة الدولة كي يبقى السلام معلقاً، ويظل السلاح أمراً واقعاً. ولذلك، فإن ربط مسار السلام بمسار نزع السلاح يمنح هذا الفريق حق الفيتو على مستقبل لبنان، لأن معالجة هذا الملف قد تستغرق وقتاً، وهي ترتبط بالمواجهة المستمرة بين إسرائيل والحزب الإيراني، كما ترتبط بمدى استعداد الدولة لاستخدام كل الوسائل المتاحة لفرض سلطتها وحصر السلاح بيدها.
من هنا، يصبح المطلوب إعادة النظر في المقاربة برمتها، لأن اتفاق السلام بحد ذاته سيحوّل سلاح الحزب الإيراني من سلاح يدّعي مواجهة عدو خارجي إلى سلاح فاقد لأي مبرر سياسي أو قانوني. فالسلام والسيادة هدفان متكاملان، لكن ليس من الضروري أن يسيرا في مسار واحد. يمكن للبنان أن يوقع اتفاق سلام مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وأن يطوي صفحة الحرب نهائيًا، فيما يستمر في الداخل مسار استكمال بسط سلطة الدولة وحل التنظيمين العسكري والأمني للحزب الإيراني، كما تستمر المواجهة العسكرية بين إسرائيل والحزب الإيراني إلى أن تُحسم هذه المسألة. أما الفارق الجوهري، فهو أن السلام لا يبقى رهينة انتهاء الدور العسكري لهذا الحزب.
إن توقيع السلام لا يعني انتهاء معركة السيادة، بل على العكس تماماً، يسحب من السلاح آخر الذرائع التي يستند إليها، وهي اعتبار إسرائيل دولة عدوة بما يبرر الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان “المقاومة”، فيما الواقع أن هذا السلاح لم يكن يوماً سوى أداة في خدمة المشروع التوسعي الإيراني. فلماذا انتظار اكتمال المسار السيادي لتحقيق السلام، فيما يخدم هذا الانتظار المشروع الإيراني الذي يراهن على بقاء سلاحه لتعطيل أي سلام؟
إن الخطأ الأكبر اليوم هو انتظار اكتمال المسار السيادي قبل الانتقال إلى المسار السلمي، لأن ذلك يعني عمليًا رهن السلام بإرادة من لا يريد السلام أصلًا. أما الخيار الصحيح، فهو المضي قدمًا في تحقيق ما أصبح ممكنًا، أي إنهاء الحرب وتوقيع السلام، فيما تتواصل، من جهة، المواجهة العسكرية، وتواصل الدولة، من جهة أخرى، معركتها لاستكمال سيادتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية.
إن لبنان يقف أمام فرصة تاريخية قد لا تتكرر. ولذلك، فإن المطلوب اليوم ليس الخلط بين المسارين، بل الفصل بينهما: سلام يُنجز الآن، وسيادة تُستكمل حتى نهايتها، من دون أن يبقى أحد رهينة للآخر.




